×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

حين ينتصر القلم على الألم

حين ينتصر القلم على الألم
بقلم : عامر آل عامر 
ليس كل من يكتب يبحث عن قارئ، فبعض الأقلام لا تفتش إلا عن نجاة. هناك لحظات يبلغ فيها الصمت حدًّا لا يعود معه احتمالًا، فيستدعي الإنسان الكلمات كما يستدعي الغريق آخر أنفاسه. عندها لا تكون الكتابة فعلًا أدبيًا، بل فعل بقاء.

إن أكثر الآلام قسوة ليست تلك التي تُرى، بل تلك التي لا تجد منفذًا للخروج. فالوجع إذا ظل حبيس القلب، تمدد في الروح حتى يصير جزءًا من ملامحها، ويصبح الإنسان يحمل في داخله حياةً أخرى لا يراها أحد.
يضحك مع الناس، بينما تنهار مدنه الداخلية بصمت لا يسمعه سواه.

والصمت، على خلاف ما نظن، ليس دائمًا دليل قوة. أحيانًا يكون المقبرة التي تُدفن فيها المشاعر وهي لا تزال حية. فكل إحساس لم يجد لغة، يتحول مع الزمن إلى ثقل، وكل دمعة لم تُذرف، تبحث عن طريق آخر لتسكن الجسد أو الذاكرة.

لهذا خُلقت الكتابة.

لا لتُلغي الألم، فبعض الأوجاع لا يغادر أصحابها، وإنما لتعيد تشكيله. فهي تأخذ الفوضى من أعماق النفس، وتصنع منها معنى. وتحول العتمة إلى سطور، والاختناق إلى جمل، والخوف إلى اعتراف لا يطلب شفقة أحد، بل يطلب فقط أن يكون صادقًا.

وما إن يصبح الألم لغة، حتى يفقد شيئًا من جبروته. لأن ما نستطيع وصفه، نستطيع فهمه، وما نفهمه، يصبح أقل قدرة على هزيمتنا. فالإنسان لا ينهكه الوجع وحده، بل ينهكه ذلك العجز عن تفسيره، وعن منحه اسمًا ومكانًا بين تفاصيل حياته.

ولعل أعظم ما تمنحه الكتابة للإنسان أنها تعيده إلى نفسه. ففي زحام الأيام نضيع بين الأدوار والوجوه والتوقعات، حتى ننسى صوتنا الحقيقي. ثم نجلس أمام صفحة بيضاء، فنكتشف أن أكثر شخص كنا بحاجة إلى الحديث معه، هو نحن.

الورقة لا تقاطع، ولا تحاكم، ولا تسيء الفهم. تستقبل كل ما نعجز عن قوله، وتحتفظ به في صمت نبيل، كأنها تعلم أن بعض الاعترافات لا تحتاج إلى جواب، وإنما تحتاج إلى مكان آمن تولد فيه.

لهذا، ليست الكتابة حروفًا تُرص، ولا بلاغة تُستعرض، ولا نصوصًا تُصفق لها المنابر. إنها الطريقة التي تُنقذ بها الروح نفسها حين تعجز عن الاحتمال. وكل كلمة صادقة تُكتب من قلب موجوع، ليست مجرد كلمة، بل خطوة يخطوها الإنسان خارج سجنه الداخلي.

وربما لهذا السبب لا يغير العالم إلا أولئك الذين عرفوا كيف يحولون جراحهم إلى كلمات؛ لأن الألم حين يبقى في القلب يصنع الضحايا، أما حين يتحول إلى معنى، فقد يصنع إنسانًا أكثر حكمة، وأكثر رحمة، وأكثر قدرة على أن يرى النور، حتى وهو يعبر أكثر الطرق ظلمة.
التعليقات