×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

التعب الصامت... حين تثقل الروح

التعب الصامت... حين تثقل الروح
بقلم / سمحه العرياني 
حين يرهق الجسد، نبحث له عن راحة، وحين يمرض، نسارع إلى علاجه. أما حين تتعب الروح، فإنها غالبًا تلتزم الصمت، وتخفي وجعها خلف ابتسامةٍ باهتة، وكلماتٍ مقتضبة، وملامح اعتادت أن تبدو قوية. هناك آلام لا تُقاس بحرارةٍ أو ضغطٍ أو نبض، بل تُقاس بثقل الأيام على القلب، وبالقدرة التي تتآكل شيئًا فشيئًا على مواصلة الطريق.

التعب الصامت ليس وليد لحظة، بل هو حصيلة سنواتٍ من الصبر، وتراكماتٍ من الخيبات، وأحلامٍ تأجلت حتى نسيت أصحابها، ومواقفٍ اضطر الإنسان فيها إلى أن يكون قويًا، رغم أنه كان في أمسّ الحاجة إلى من يسنده. إنه ذلك الشعور الذي يجعل الضجيج أكثر إزعاجًا، والوحدة أكثر اتساعًا، حتى يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه، يؤدي واجباته بإتقان، بينما في داخله عالمٌ كامل يوشك على الانهيار.

والمؤلم في هذا النوع من التعب أنه لا يلفت الانتباه. فصاحبه يبتسم، ويعمل، ويجالس الناس، ويؤدي مسؤولياته، حتى يظن الجميع أنه بخير. لكنهم لا يرون تلك الليالي الطويلة التي أثقلها التفكير، ولا يسمعون تنهيدات القلب وهو يحاول أن يقنع نفسه بأن الغد سيكون أجمل. فكم من روحٍ أنهكها الكتمان، وكم من إنسانٍ كان يحتاج إلى كلمةٍ صادقة أكثر من حاجته إلى أي شيء آخر.

ولعل أكثر ما يرهق الأرواح أن يعيش الإنسان للجميع وينسى نفسه، وأن يمنح من وقته واهتمامه حتى يفرغ من الداخل، فيصبح يواسي الآخرين بينما لا يجد من يواسيه، ويزرع الطمأنينة في قلوب من حوله بينما يفتقدها في قلبه. عندها يصبح الصمت لغةً، والعزلة ملاذًا، لا كرهًا للناس، بل بحثًا عن مساحةٍ يلتقط فيها أنفاسه بعيدًا عن ضجيج الحياة.

ومع ذلك، فإن التعب ليس قدرًا دائمًا. فالروح التي أثقلتها الحياة قادرة على أن تستعيد نورها متى ما وجدت الأمل، واقتربت من الله، وأيقنت أن كل ضيقٍ مهما طال فله نهاية، وأن القلب الذي امتلأ بالصبر لا بد أن يمتلئ يومًا بالفرح. فالسعادة ليست حياةً بلا متاعب، وإنما قلبٌ يعرف كيف يعبرها دون أن يفقد إيمانه أو إنسانيته.

وفي نهاية المطاف، يبقى أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان لنفسه أن ينصت إليها قبل أن تنهار، وأن يمنحها حقها من الراحة، وأن يتذكر دائمًا أن الأرواح، كما الأجساد، تحتاج إلى عناية واهتمام. فالتعب الصامت لا يعني أن الحياة انتهت، بل قد يكون بدايةً جديدة يتصالح فيها الإنسان مع ذاته، ويعيد ترتيب قلبه، ويؤمن أن بعد كل انكسار جبرًا، وبعد كل عسرٍ يسرًا، وأن الله إذا رأى صدق الصابرين، أبدل أثقال أرواحهم سكينةً، وأوجاعهم طمأنينة، وأيامهم نورًا لا ينطفئ.
التعليقات