×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الغرفة الأخيرة

الغرفة الأخيرة
بقلم : عامر آل عامر 
في داخل كل إنسان غرفة أخيرة، ليست من حجرٍ أو خشب، بل من صمتٍ وذكريات. غرفة لا تُفتح بمفتاح، ولا يدخلها أحد مهما بلغت درجة قربه.
هناك تسكن الحقيقة كما هي، بلا أقنعة، وبلا مجاملات، وبلا كلماتٍ منمقة تخفي ما في القلب.

في تلك الغرفة تُحفظ الحكايات التي لم تجد من يُنصت إليها، والرسائل التي كُتبت ثم مُحيت قبل أن تُرسل، والاعتذارات التي تأخرت حتى فقدت معناها، والدموع التي اختارت أن تنحدر في العتمة حتى لا يراها أحد.

هناك أيضًا يقيم الحنين... ذلك الزائر الذي لا يستأذن، يعود كلما مر اسم، أو رائحة، أو مكان، أو أغنية قديمة. يوقظ في النفس ما ظننت أنه انتهى، لتكتشف أن بعض الذكريات لا تموت، بل تتوارى في انتظار لحظة تعيدها إلى الحياة.

وفي تلك الغرفة تُدفن الأحلام المؤجلة، والأمنيات التي لم تجد طريقها إلى الواقع، والنسخة التي كان الإنسان يتمنى أن يكونها لو أن الحياة منحته فرصة أخرى، أو لو أن القدر سار في اتجاه مختلف.

ولهذا، لا تجعل ما تراه من الناس مقياسًا لما يعيشونه. فكم من إنسان يوزع الابتسامة على الجميع، بينما قلبه يئن بصمت. وكم من شخص يبدو قويًا أمام العالم، لكنه إذا أغلق باب غرفته الأخيرة، انهار تحت ثقل ما يحمل.

ليست كل المعارك تُخاض في الميادين، فبعضها يدور داخل النفس، بلا جمهور، وبلا شهود، وبلا تصفيق لمن انتصر أو مواساة لمن انهزم. إنها معارك الصبر، والخذلان، والفقد، والأسئلة التي لا تجد جوابًا.

لذلك، كن رحيمًا في أحكامك، ولطيفًا في كلماتك، فربما كانت الكلمة الطيبة نافذة نور في غرفة امتلأت بالعتمة، وربما كان احترامك لصمت الآخرين أعظم أشكال الإنسانية.

فلكل إنسان غرفته الأخيرة... مكانٌ لا يدخله أحد، ولا يعرف تفاصيله أحد، إلا الله. وهناك، بعيدًا عن ضجيج العالم، تتجلى الحقيقة كاملة؛ حقيقة الإنسان كما هو، لا كما يبدو للناس.
ومن أدرك ذلك، تعلّم أن الرحمة أولى من الأحكام، وأن حسن الظن أجمل ما يمكن أن نهديه لمن نجهل ما تخفيه غرفهم الأخيرة.
التعليقات