×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

يوم التأسيس واستشراف المستقبل

بقلم / عبدالعزيز الرحيل 

ليس يوم التأسيس ذكرى عابرة في سجل التاريخ، بل هو منعطف حضاري غيّر وجه الجزيرة العربية، وأرسى دعائم كيانٍ صلبٍ امتد أثره عبر القرون؛ في ذلك اليوم التأم الشتات، وتقاربت الأطراف، واجتمعت القبائل والمدن تحت راية واحدة، فتحوّل التفرق إلى وحدة، والاضطراب إلى انتظام، والتباين إلى تكامل.

في عام 1727م، حين تولّى الإمام محمد بن سعود إمارة الدرعية، لم يكن يؤسس حكمًا محليًا فحسب، بل كان يضع حجر الأساس لمشروعٍ سياسي واجتماعي يقوم على ترسيخ الأمن، وتعزيز الاستقرار، وبناء مجتمعٍ تحكمه القيم ويجمعه النظام؛ ومن هناك بدأت مسيرة تاريخية أعادت تشكيل الواقع، ورسّخت مفهوم الدولة ذات السيادة والهوية الجامعة.

ومع امتداد الزمن، تعمّقت أركان البناء، وتوطدت أواصر المجتمع، حتى جاء عهد الملك عبدالعزيز آل سعود، فاستكمل المسيرة، ووحّد الأرجاء، وجمع القلوب قبل أن يجمع الأرض، لتولد المملكة العربية السعودية كيانًا راسخًا يجمع أطيافه في إطار من الانتماء المشترك والمصير الواحد.

ولعلّ ما أشار إليه المؤرخ ابن خلدون يفسّر جانبًا من هذا الثبات، حين تحدّث عن أهمية التماسك الاجتماعي ووحدة الصف في قيام الدول واستمرارها؛ كما يبيّن عالم الاجتماع ماكس فيبر أن الدولة تقوم على سلطةٍ منظمةٍ تحفظ النظام وتصون الاستقرار داخل مجتمعها، وهو ما يعكس جوهر فكرة الدولة منذ نشأتها الأولى.

وإذا كان الماضي قد شهد لحظة التأسيس، فإن الحاضر يشهد ثمارها، والمستقبل يبشّر بامتداد أثرها؛ إننا نحمد الله على هذه اللُّحمة الوطنية التي نمت جذورها في التاريخ، وأثمرت عزًّا ورسوخًا، وصنعت مجتمعًا سعوديًا واحدًا يجتمع على القيم الراسخة والمبدأ الثابت والدين القويم.

وهكذا يظل يوم التأسيس ليس استذكارًا لبداية فحسب، بل تجديدًا للعهد، واستشرافًا لغدٍ يواصل فيه الوطن مسيرته بثقةٍ وثبات نحو آفاقٍ أرحب من المجد والازدهار.
التعليقات