×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الثبات في زمن التأويل

الثبات في زمن التأويل
بقلم/ سلافة سمباوه 

في معارك الحياة والارتقاء، يبرز قانون لا يخطئ مفاده أن كلما اتسعت مساحة ضوئك، كثرت حولك ظلال الوشاة؛ ما يتعرض له الناجحون من محاولات تشويه السمعة ونقل الأحاديث المغلوطة ليس فعلاً عدائياً فحسب، بل اعتراف ضمني بأن القمة التي وصلوا إليها قد أعجزت قدرات الآخرين على المنافسة الشريفة؛ فالدخلاء لا يهاجمون إلا من يملك حضورًا يفتقرون إليه، وتشويههم للحقائق ليس إلا محاولة يائسة لردم الفجوة بين استحقاقك الذاتي وضآلة تصوراتهم.

هؤلاء لا يأتون بأبواب مكسورة، بل يدخلون من نافذة الثقة؛ يبدأون بجملة عابرة أو نصيحة مغلفة بالحرص، ثم يتحول الكلام إلى سردية يعاد تشكيلها خارج سياقها، حتى تصبح الحقيقة شبهة، والمواقف موضع تساؤل؛ ومع كل همسة مغلوطة، تتسع الفجوة دون أن يشعر الأطراف متى بدأت؛ لكن المفارقة أن تشويه السمعة لا يكون دائمًا علامة سقوط، بل كثيرًا ما يكون دليل حضور، إذ إن النجاح يجذب معه التأويل ويغري من لا يملكون التجربة أن يتحدثوا عنها كأنهم كانوا جزءًا منها.

العلاقات الإنسانية، سواء كانت مهنية أو اجتماعية، لا تستقيم بالانسحاب أو الصمت الخائف عند أول أزمة، بل بالموقف الواضح والوعي؛ فالأزمات لا تكشف فقط هشاشة الروابط، بل قد تقوّي الصادق منها، وتفرز من يسعى للحفاظ عليها ممن يتغذى على إرباكها؛ وفي خضم ذلك، يتبين الداعم الحقيقي من المراقب السلبي، ويتضح من يبحث عن البناء ممن يسعى للهدم.

الدخلاء ليسوا سوى استنزاف صامت للطاقة والجهد، والالتفات إليهم يمنحهم انتصارًا لا يستحقونه؛ يجرّون الآخرين إلى تبرير ما لا يحتاج تبريرًا، وإلى الدفاع عن نوايا لم تساء يومًا؛ بينما الأنفس الكبيرة تترفع عن ضجيج الصغار، وتدرك أن المسافات أو الظروف قد تخلق تباعدًا مؤقتًا، لكن الحل لا يكون بالصمت أو الخوف أو التواري، بل بالمواجهة الواعية والوضوح.

اليقين بأن الحق لا يُحجب بغربال الأكاذيب هو ما يحمي المسار؛ لجم الأفواه لا يكون دائمًا بالرد، بل بالارتقاء، وبالوصول إلى مراتب تجعل من كلمات الدخلاء مجرد همس باهت تحت أقدام القمم؛ ففي زمن تتناقل فيه الروايات أسرع من الحقائق، يبقى الوضوح حماية، والصمت الواعي أحيانًا أبلغ من الضجيج.

العلاقات التي تهزها وشاية هي علاقات لم تملك جذورًا في اليقين، أما تلك التي تصمد أمام العواصف، فهي التي تستحق الاستمرار؛ سيبقى النجاح منارة تجذب الفراشات والذباب على حد سواء، ويبقى الذكاء في أن تدرك من يبحث عن الضوء، ومن يسعى لإطفائه؛ فكن واثقًا، ومُعرضًا عن الجاهلين، فالبقاء للأقوى روحًا، والأثبت قدمًا، والأنقى سريرة.
التعليقات