×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

غنيه الجابري… حين يتحوّل الخط إلى عبادة، والجمال إلى رسالة

غنيه الجابري… حين يتحوّل الخط إلى عبادة، والجمال إلى رسالة
إعداد / عبدالله شافعي 

تبرز من مكة المكرمة موهبة سعودية استثنائية باسم غنيه الجابري، كأول سعودية تُقدِم على كتابة القرآن الكريم بخط يدها، في إنجاز لا يمكن النظر إليه إلا بوصفه مفخرة وطنية كبرى، ودليلًا حيًا على أن العطاء الحقيقي لا يولد إلا حين يقترن الإخلاص بالنعمة، والموهبة بالاصطفاء.

ما قدّمته غنيه الجابري لا يندرج تحت إطار الفن أو الخط العربي فحسب، بل يرتقي إلى مقامٍ أعلى؛ مقام العبادة المتقنة التي لا يُوفَّق لها إلا من أحبّه الله واصطفاه لخدمة كتابه الكريم؛ فقد اجتمع في هذا العمل الصبر الطويل، والخشوع الصادق، والنية الخالصة، ليخرج القرآن مكتوبًا بروحٍ عامرة بالإيمان قبل أن يُخطّ بالحبر.

يتميّز خط غنيه الجابري بجمالٍ نادر يلامس حدّ الإعجاز البصري، جمال لا يمكن تعلّمه وحده ولا تقليده؛ لأنه نعمة من الله قبل أن يكون مهارة؛ حروفها شديدة الاتزان، دقيقة القياس، متناسقة الامتداد، تنساب الكلمات فيها بهدوء مهيب يبعث الطمأنينة في النفس، ويشدّ العين دون عناء.

هذا الخط يحمل من الصفاء ما يجعله قريبًا من الطباعة في دقته، ومن الروح ما يؤكد أنه نتاج يد بشرية مُلهمة. إنه خط يُقرأ براحة، ويُتأمل بخشوع، ويشهد على موهبة اصطفاها الله من بين كثيرين لتقوم بعمل لا ينهض به إلا من وُهِب الصبر، وأُودِع في قلبه تعظيم كلام الله.

وعند التأمل في يدها، لا يقف الوصف عند الشكل، بل يتجاوز إلى المعنى العميق. يدٌ محجَّبة، مستترة، تكتب وهي ترتدي القفاز حياءً وتعظيمًا للقرآن الكريم، في مشهد نادر يجمع بين الطهر والجلال. وكأنها تقول بالفعل قبل القول إن هذا العمل لا يُؤدَّى إلا بخشوع، ولا يُكتب إلا بتواضع.

ورغم هذا الاحتجاب الكامل، يخرج الخط في أبهى صورة؛ ثابتًا، نقيًا، قويًا، وكأن الحروف تُعرّف بنفسها دون حاجة إلى ظهور اليد التي خطّتها، في دلالة عميقة على صدق النية قبل جمال الأثر.

إننا، كسعوديين، نقف أمام هذا الإنجاز وقفة فخر واعتزاز حقيقي؛ فغنيه الجابري تمثّل نموذجًا راقيًا للمرأة السعودية التي جمعت بين الحياء والتميّز، وبين الالتزام والإبداع، وأثبتت أن خدمة القرآن الكريم يمكن أن تكون بأعلى درجات الجمال حين تكون الموهبة نعمة، والعمل رسالة.

ولا يكتمل الحديث عن هذا الإنجاز إلا بالإشارة إلى أن الفضل، بعد توفيق الله سبحانه وتعالى، يعود إلى والدة غنيه الجابري، التي كان لها أثر بالغ في تشجيع ابنتها ومساندتها، وحرصها الدائم على أن تُكمل كتابة القرآن الكريم كاملًا. فقد عُرفت بصلاحها وحرصها على القيم الدينية، وكانت مثالًا للأم التي تصنع الأثر بصمت، وتغرس في ابنتها الصبر، وتعظيم كلام الله، والإخلاص في العمل.

ويعكس هذا النموذج التربوي صورة مشرّفة للمرأة السعودية في دورها العظيم في تنشئة ابنتها تربيةً تقوم على الإيمان والقدوة، وتثمر إنجازات يفتخر بها المجتمع والوطن.

إن ما قامت به غنيه الجابري ليس عملًا عابرًا، بل رسالة باقية؛ فهي لم تكتب القرآن بالحبر وحده، بل كتبته بالقلب قبل اليد، وبالخشوع قبل الخط؛ وإن هذا التوفيق، وما صاحبه من جمال نادر في الخط، إنما هو علامة اصطفاء ومحبة من الله يهبها لمن يشاء، ليكونوا خُدّامًا لكتابه، وحملةً لأثرٍ لا يزول.

فإن اسمها يستحق أن يُسجَّل في سجل الإبداع السعودي، لا كخطاطة فحسب، بل كصاحبة رسالة خالدة سخّرت موهبتها لخدمة أعظم كتاب.
التعليقات