×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الأيام تركض… والعمر يلوّح من بعيد

الأيام تركض… والعمر يلوّح من بعيد
بقلم / سمحه العرياني 

تمرّ الأيام بسرعةٍ مذهلة، وكأنها تركض دون توقف، لا تلتفت خلفها، تاركةً وراءها تفاصيل أعمارنا الصغيرة، وذكرياتٍ لم نُحسن الإمساك بها، وأحلامًا حاولنا كثيرًا اللحاق بها، لكنها سبقتنا بخطوة.
نمضي في دروب الحياة منشغلين، محاطين بضجيج العمل وضغوط المسؤوليات، حتى بات الوقت يمرّ من بين أيدينا دون أن نشعر بثقله أو ننتبه لمروره.

وفي زحام الأيام، نادراً ما نقف لنسأل أنفسنا: متى كبرنا؟ ومتى تغيّرت ملامحنا وأولوياتنا؟ وكيف أصبحت السنوات تتشابه، وكأنها نسخٌ متكررة، لا يميزها سوى أرقامٍ تتبدل على التقويم؟ إن تسارع الوقت ليس مجرد إحساس عابر، بل هو نتيجة طبيعية لوتيرة الحياة المتسارعة التي فرضت علينا أن نركض معها، دون أن نمنح أنفسنا فرصة للتأمل أو التوقف.

كل يوم نعيشه ليس مجرد تاريخٍ يُسجل، بل فصلٌ صغير في كتاب العمر، تُكتب سطوره بتفاصيل بسيطة قد لا نُدرك قيمتها إلا لاحقًا.
لحظة ضحكٍ صادقة، جلسة هادئة مع من نحب، كلمة طيبة، أو حتى صمتٌ مطمئن… كلها لحظات تبدو عادية في حينها، لكنها تتحول مع مرور الزمن إلى كنوزٍ نفتقدها بشدة.

ومع تعاقب السنين، ندرك أن العمر لا يُقاس بعدد الأيام، بل بما عشناه فيها من شعور وصدق وعمق. ندرك أن الركض الدائم خلف الأهداف دون توقف قد يحرمنا من متعة الطريق ذاته، وأن الانشغال بالمستقبل قد يسلبنا جمال الحاضر، بينما الماضي يلوّح لنا من بعيد، محمّلًا بالحنين والندم أحيانًا.

لذلك، يصبح من الضروري أن نتعلّم فنّ العيش بوعي، أن نبطئ خطواتنا قليلًا، ونمنح لحظاتنا حقها من الاهتمام. أن نعيش كل يوم بحواسه كاملة، نستشعر تفاصيله، ونحتفي بلحظاته البسيطة. أن نتقاسم الفرح مع من نحب، ونصنع الذكريات بدل أن نؤجلها، فبعض اللحظات لا تتكرر، وبعض الأشخاص لا يعوضهم الزمن.

تمضي الأيام مسرعة، لكن بعض اللحظات وحدها هي ما يبقى. وما بين بداية الوقت ونهايته، نصنع أعمارنا بما نشعر به، لا بما نعدّه من أيام. فحين نعيش بصدق، يصبح العمر أوسع من الزمن، وتتحول اللحظات العابرة إلى أثرٍ لا يزول.
التعليقات