×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الإقصاء الخفي في بيئات العمل… حين تنتصر الكفاءة رغم الصمت

الإقصاء الخفي في بيئات العمل… حين تنتصر الكفاءة رغم الصمت
بقلم : عامر آل عامر 
تتسلّل إلى بعض بيئات العمل ممارسات خفية، لا تُعلن ولا تُسجَّل رسميًا، لكنها تفتك بالموظف وتنهش معنوياته أكثر مما تفعل العقوبات المباشرة.

وتنشأ تلك الممارسات حين يختار بعض المديرين أن يحاربوا الكفاءة بالصمت، وأن يواجهوا الإتقان بالتهميش، وأن يستخدموا سلطتهم للنيل ممن لا يخضع لسطوتهم أو لا يصفّق لأخطائهم.

في تلك البيئات، لا يحتاج الموظف إلى خطأ ليُحاسَب، ولا إلى تقصير ليُدان، بل يكفي أن يمتلك حضورًا مهنيًا يزعج من يعتادون إدارة المشهد بالتسلّط أو نقص الكفاءة.

ويتحوّل الموظف مع الوقت من عنصر فعّال منتج، إلى مجرد رقم صامت ضمن الفريق، تُسلب منه أدواره، وتُغلق أمامه أبواب الفرص، ويُثقل كاهله بقيود غير مكتوبة.

وتظهر أساليب عدة في هذا النوع من الصراع الإداري.
فهناك من يلجأ إلى التشويش وإلقاء التهم، وهناك من يختار التطفّيش والتجاهل، فيما يستخدم آخرون الضغط النفسي سلاحًا لقتل الروح قبل قتل الإنجاز.
ولا يفعل ذلك إلا مدير يفتقر إلى الأخلاق والمهنية، ويبحث عن تثبيت سلطته بدل تطوير منظومته.

الأدهى أن من يساند هذا النوع من المديرين ليسوا أصحاب مبدأ، بل من اعتادوا التنازل عن كرامتهم المهنية، رغبةً في رضا المسؤول أو خوفًا من فقدان امتيازاتهم.

وهؤلاء دائمًا على استعداد لتنفيذ أي توجيه، مهما كان مستوى الانحدار الأخلاقي فيه.

ورغم كل ما يواجهه الموظف المخلص من تضييق ومحاولات تحطيم، تبقى الحقيقة أن الكفاءة لا تُدفن، وأن الإتقان لا يُمحى، وأن الأخلاق المهنية أعلى من كل سلطة زائفة.

وقد يطول الصبر، وقد تتكرر الإساءات، لكن الأيام كفيلة بكشف من يعمل بإخلاص، ومن يتوارى خلف الأقنعة.

إن بناء بيئة عمل صحية لا يتحقق بالأنظمة وحدها، بل باحترام الإنسان، ورعاية الكفاءات، وحماية منجزاتهم من عبث المتسلّطين.

فالمؤسسات التي تُقصي الطاقات وتُطفّش المبدعين، إنما تحكم على نفسها بالفشل، بينما تلك التي تصون كرامة موظفيها هي التي تصنع قوتها الحقيقية ومستقبلها.

وفي النهاية، يتبقى درس واحد فقط:
النور الذي تحاول الإدارات الظالمة إطفاءه، يعود ليشرق من مكان آخر.

لأن الشرفاء لا يموتون في الهامش، بل تنبت لهم قامات أطول كلما حاول أحدهم كسرهم.
التعليقات