×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

عواطف الظل

عواطف الظل
بقلم: سلافة سمباوه 

تتشكّل ملامح الإنسان بين ما يظهر للناس وما يختبئ في داخله، فتنمو في أعماق النفس مناطق معتمة لا يراها أحد، لكنها تتحكم في الكثير من قراراتنا ومشاعرنا دون أن نشعر.

تلك المناطق هي ما يشير إليه علم النفس التحليلي بمفهوم الظل، ذلك الجزء الذي يضم ما نحاول إخفاءه من مشاعر وأفكار وتصورات.
تبدأ الحكاية من الطفولة.
في سنواتنا الأولى نغضب ونخاف ونغار ببراءة كاملة، ثم نتعلم تدريجيًا أن بعض هذه المشاعر غير مرحب بها اجتماعيا.

فيُنظر إلى الخوف بوصفه ضعفًا، وإلى الغضب كأنه سوء أدب، وإلى الغيرة كأنها نقص. فيتم قمعها شيئا فشيئا حتى تتكون في العقل اللاواعي منطقة معتمة تحمل ما لم نسمح له بالظهور.
يرى كارل يونغ أن الظل يمثل الجانب الذي نُنكره حفاظًا على صورتنا أمام الآخرين. لكنه لا يختفي بالإنكار، بل يعمل من وراء الوعي، مؤثرًا في ردود أفعالنا وقراراتنا.
يظهر في غضب مفاجئ، أو حساسية مفرطة، أو علاقات تتكرر فيها الأنماط نفسها دون تفسير واضح.

ويحدث أن يرى الإنسان ظله في الآخرين أكثر مما يراه في نفسه. ينتقد صفات يرفض الاعتراف بوجودها داخله، ويلوم سلوكيات تُشبه ما يخفيه عن ذاته.
هذا ما يعرف بمفهوم الإسقاط، حين يبحث العقل الواعي عن انعكاس داخلي في مرآة خارجية.
وتشير دراسات حديثة في علم النفس العصبي إلى أن اللاوعي يمتلك قدرة كبيرة على تشكيل قراراتنا، وأن استجاباته العميقة قد تسبق وعينا المنطقي.
ولهذا نفعل أحيانًا ما نندم عليه لاحقًا، وكأن أحدًا داخلنا أمسك بزمام الأمور للحظة.

وتوضح المتخصصة في علم الأعصاب تارا سوارت أن مواجهة الظل تمنح الإنسان فرصة لمعرفة ذاته بعمق أكبر.
فالتعامل مع المشاعر المكبوتة لا يعني الانقياد لها، بل فهمها واحتواءها. وأحيانًا نخفي صفات إيجابية أيضًا لأننا لا نشعر باستحقاقها.
يبدأ التعامل مع عواطف الظل بالإنصات لما نشعر به. ما الذي أثار هذا الشعور، وما ذاكرته الأولى، وما الحاجة التي يشير إليها.
فالعاطفة ليست حكما، بل رسالة. والمطلوب هو الفهم لا الصراع.

ورغم أن مفهوم الظل ليس مصطلحا معياريا في العلوم النفسية الحديثة، فإنه يجد صدى في مدارس علاجية معاصرة مثل العلاج المعرفي السلوكي والعلاج بالقبول والالتزام والعلاج الجدلي السلوكي.
جميعها تقوم على الاعتراف بالمشاعر الصعبة ودمجها بدلا من إنكارها.

عندما نواجه ظلنا بوعي، لا نفقد السيطرة، بل نستعيدها. فالجزء الخفي الذي نفهمه ونعطيه مساحته يتحول من قوة غامضة تؤثر فينا إلى خطوة نحو النضج والاتزان وفهم الذات من أعمق أبوابها.
التعليقات