×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

لن تعرف حتى تجرّب

لن تعرف حتى تجرّب
بقلم / كوثر العوفي 
لم يعد الخوف من الفشل هو ما يؤجل أحلام الناس، بل الخوف من الخطوة الأولى.
أصبحنا نعيش زمنًا تُستهلك فيه الأفكار أكثر مما تُنفذ. نتحدث عن المشاريع في المقاهي، ونرسم خطط السفر في دفاتر الملاحظات، ونناقش فرص الاستثمار والشراكات لساعات طويلة، ثم نعود إلى حياتنا كما لو أن شيئًا لم يكن. وكأن التفكير أصبح بديلًا عن الفعل، وكأن كثرة التخطيط تعني أننا اقتربنا من الوصول.

لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
هناك أشياء لا تكشفها القراءة، ولا الدورات التدريبية، ولا نصائح أصحاب الخبرة. هناك أشياء لا تمنحك إياها إلا التجربة نفسها. فالسوق لا يشبه ما تقرأه في التقارير، والسفر ليس كما يظهر في الصور، والعمل مع الآخرين لا يمكن اختزاله في نصائح تُتداول على وسائل التواصل الاجتماعي. لكل تجربة تفاصيلها التي لا يعرفها إلا من عاشها.

لهذا، يبقى الإنسان حائرًا ما دام واقفًا على الرصيف. يرى الاحتمالات جميعها، لكنه لا يعرف أيها أقرب إلى الحقيقة. وما إن يخطو أول خطوة، حتى تبدأ الصورة بالاتضاح. قد يكتشف أن المشروع الذي كان يخشاه أسهل مما تصور، أو أن الفكرة التي ظنها مضمونة لم تكن مناسبة له. وفي الحالتين، يكون قد ربح شيئًا لا يمكن شراؤه أو تعلمه من بعيد، وهو الخبرة.

المشكلة أن كثيرين ينتظرون اكتمال الظروف قبل أن يبدأوا. يريدون رأس مال أكبر، ووقتًا أطول، وخبرة أوسع، وضمانات أكثر. لكن التجارب الكبرى نادرًا ما وُلدت مكتملة. معظمها بدأ بإمكانات محدودة، وأخطاء كثيرة، وأشخاص لم يكونوا يعرفون كل الإجابات، لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا، أن الطريق لا يُفهم من الخريطة وحدها.

ومن يتأمل سير الناجحين، لن يجد أن الفارق بينهم وبين غيرهم كان الذكاء أو الحظ بقدر ما كان الجرأة على المحاولة. فهم لم ينتظروا أن تزول المخاوف، بل ساروا بها. ولم يؤجلوا مشاريعهم حتى تصبح مثالية، لأنهم أدركوا أن الكمال ليس نقطة بداية، بل نتيجة تتشكل مع الوقت.

ولعل أكثر ما يندم عليه الإنسان ليس تجربة خسرها، بل تجربة لم يخضها أصلًا. فالفشل، مهما كان مؤلمًا، يترك درسًا يمكن البناء عليه. أما الفرصة التي لم تُجرب، فتبقى سؤالًا مفتوحًا يرافق صاحبها لسنوات، ماذا لو بدأت؟

الحياة لا تمنح يقينًا قبل البداية، ولا تكشف نتائجها لمن يكتفي بالمراقبة. إنها تكافئ الذين يغامرون بخطوة محسوبة، ويتعلمون وهم يسيرون، ويؤمنون بأن الطريق لا يُرى كاملًا من نقطة الانطلاق.

وربما لهذا السبب، لم يندم أحد لأنه جرّب وتعلّم، بينما يظل الندم الأكبر من نصيب أولئك الذين أمضوا أعمارهم ينتظرون اللحظة المثالية. فالحياة لا تتشكل بما خططنا له، بل بما امتلكنا شجاعة أن نبدأه.
التعليقات