×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

وادي امصدر... مرتع الصبا والأيام الخوالي

وادي امصدر... مرتع الصبا والأيام الخوالي
بقلم : عامر آل عامر 
ليست كل الأماكن تُزار، فبعضها يُقرأ كما تُقرأ الكتب القديمة، وتُصغى إليه كما يُصغى إلى حكاية يرويها الزمن بصوت خافت.
ومن بين تلك الأماكن يقف وادي امصدر شامخًا، لا بارتفاع جباله، بل بعلو مكانته في القلب.

كل طريق يقود إليه لا يقودني إلى مكان، بل يعيدني إلى نسخة قديمة مني. ذلك الطفل الذي كان يركض دون أن يحسب المسافات، ويضحك دون أن يخشى الغد، ويظن أن الوجوه التي أحبها ستبقى حوله إلى الأبد.

وما إن تطأ قدماي أرض الوادي حتى أشعر أن السنوات التي عبرت بيننا لم تكن سوى غفوة قصيرة في عمر الذاكرة.
في وادي امصدر لا تصمت الصخور، ولا تمر الرياح بلا معنى. لكل شجرة قصة، ولكل منعطف حكاية، ولكل ظل ملامح إنسان مر من هنا، ثم مضى تاركًا شيئًا منه لا يزال عالقًا في المكان.
كأن الأرض تحفظ آثار أصحابها أكثر مما تحفظها الصور، وكأن التراب أكثر وفاءً من الزمن.

هناك أستعيد وجوهًا غابت عن ناظري، لكنها لم تغب عن قلبي.
أتذكر ضحكات كانت تملأ الوادي دفئًا، وأحاديث بسيطة لم نكن ندرك أنها ستصبح يومًا من أثمن ما نملك.

أتذكر رجالًا رحلوا إلى رحمة الله، فلم يبق منهم إلا الدعاء، وسيرة طيبة تعبر الخواطر كلما مررت بالمكان الذي جمعنا.
وأتذكر آخرين فرقت بيننا دروب الحياة، فلا أدري أين أخذتهم الأيام، غير أن أرواحهم ما زالت تمر بي كلما مررت بين شعاب الوادي.

الغريب أن الأماكن لا تتغير كثيرًا، بل نحن الذين نتغير. الأشجار تكبر بهدوء، والصخور تبقى شاهدة، والوادي يستقبل زواره بالسكينة ذاتها، أما نحن فنعود إليه محملين بأعمار كاملة من التجارب، والانكسارات، والحنين.
فنكتشف أن أكثر ما تغير ليس ملامح الوادي، بل ملامحنا نحن.

تعلمت من وادي امصدر أن الذكريات ليست حنينًا إلى الماضي فحسب، بل هي الجسر الذي يمنح الإنسان القدرة على البقاء وفيًا لنفسه. فمن ينسَ أماكن طفولته، ينسَ جزءًا من روحه. ومن بقي يحمل في قلبه أرضًا أحبها، فلن يكون غريبًا مهما ابتعدت به الطرق.

سيظل وادي امصدر بالنسبة لي وطنًا صغيرًا يسكن داخلي، لا تحده الخرائط، ولا تقيده المسافات. كلما ضاقت الحياة، عدت إليه، ولو بخاطري، فأجد أن الطمأنينة ما زالت تنتظرني هناك، حيث تركت جزءًا من قلبي، ولم أستطع استعادته أبدًا.
التعليقات