×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

النفع لا يكون بالاقتداء

النفع لا يكون بالاقتداء
بقلم / عبادل الشمراني 
كان مساءً ثقافيًا جميلًا؛ امتلأ المكان بالحاضرين، صغيرهم وكبيرهم، وتعالت الأصوات، وتباينت الآراء، حتى بدا المجلس حيًّا بالحوار والفكر كنتُ أصغي بكل شغف، وأمنح المتحدث كامل انتباهي، حتى كادت نظراتي تخترق ملامحه من شدة التركيز، متأملًا كلماته، ومستمعًا إلى نبرات صوته، بل وحتى لغة جسده التي كانت تنطق بما تعجز عنه العبارات.

ثم مال ميزان اهتمامي كله إلى تلك اللحظة، حين أطلق سؤالًا استقر في ذهني قبل أن يبلغ مسامع الجميع:

"من هو الشخص الذي لا يُستفاد منه؟"
تأملت السؤال تأملًا أشدَّ مما يتأمل المحب محبوبه. من هو هذا الشخص؟ وكيف لا يُستفاد منه؟ وعلى أي أساس نطلق عليه هذا الوصف؟ وبأي نتيجة نمنحه ذلك اللقب الثقيل؟

بدأت أفتش عن الإجابة من أصل الحكاية؛ من الإنسان نفسه، ذلك المخلوق الذي خلقه الله، فأحسن خلقه، وأكمل صورته، وكرّمه على كثيرٍ ممن خلق، وأودع فيه العقل، ومنحه القدرة على التعلم والعطاء والبناء. فهل يُعقل، بعد كل هذا، أن يوجد إنسان لا يُستفاد منه؟

كانت إجابتي: لا، قطعًا.
فالإنسان الناجح في عمله، الرفيع في مكانته، المعروف بين الناس بحسن أثره، يُستفاد من علمه، وخبرته، وتجربته، وأخلاقه. وكذلك من يقدّم كلمة طيبة، أو نصيحة صادقة، أو يهب وقتًا، أو يخفف عن غيره همًّا، أو يزرع في قلبه أملًا؛ فكل أولئك يتركون أثرًا يبقى بعد رحيلهم.

لكنني توقفت عند الطرف الآخر من الصورة.
فالإنسان الفاشل في عمله، أو السيئ في سلوكه، أو المعروف بين الناس بسوء أثره، قد يظن البعض أنه لا يُستفاد منه. غير أن الحقيقة أن الناس قد تنتفع منه أيضًا، لا بالاقتداء به، بل بالاتعاظ من حاله. فهو يعلّمهم، من حيث لا يشعر، عواقب التقصير، وثمرة سوء الخلق، ونهاية الطريق الذي سلكه.

ذلك الذي أضاع حياته قد يكون درسًا حيًّا لغيره. وذلك الذي أساء إلى الناس قد يدفع من يراه إلى التمسك بحسن الخلق. وربما أشرت إليه لأبنائك يومًا، لا ليقتدوا به، بل ليجتنبوا طريقه، فيكون عبرةً أكثر منه قدوة.

ومن هنا أدركت أن النفع لا يكون دائمًا بالاقتداء، بل قد يكون بالاتعاظ. فهناك من يعلّمك كيف تسير، وهناك من يعلّمك كيف لا تسير.

لذلك أرى أن السؤال الأدق ليس: من هو الشخص الذي لا يُستفاد منه؟ بل: كيف نستفيد من كل إنسان نلقاه؟ فالموفق من كان قدوةً يُقتدى بها، وغير الموفق قد يكون عبرةً تُجنب غيره الوقوع فيما وقع فيه.

وهكذا، فإن كل إنسان يترك أثرًا؛ فمنهم من يترك أثرًا يُحتذى، ومنهم من يترك أثرًا يُتقى، وبين هذا وذاك تبقى الحكمة في حسن النظر، وحسن الاعتبار.
التعليقات