الإجازة لا تعالج الاحتراق الوظيفي… فما الذي يطفئه؟

بقلم / كوثر العوفي
كم مرة قلت لنفسك: “لو حصلت على إجازة، سأعود كما كنت”؟
سؤال يتكرر على ألسنة آلاف الموظفين، لكنه يكشف عن حقيقة مؤلمة؛ فالمشكلة ليست في قلة الإجازات، بل في أن كثيرًا منا أصبح يبحث عن الإجازة لينجو من العمل، لا ليستريح منه
وهنا تحديدًا يبدأ الاحتراق الوظيفي.
ليس الاحتراق الوظيفي تعبًا يزول بعد نومٍ طويل، ولا مللًا مؤقتًا من ضغط العمل، بل هو حالة من الاستنزاف النفسي والذهني والعاطفي، تنشأ عندما تستمر ضغوط العمل لفترة طويلة دون وجود توازن أو دعم أو شعور بالتقدير، فيبدأ الإنسان بفقدان طاقته تدريجيًا، ثم يفقد حماسه، ثم يتراجع إحساسه بقيمة ما يقدمه، حتى تصبح المهام التي كان يؤديها بشغف مجرد عبء يحاول الانتهاء منه.
وقد وصفت منظمة الصحة العالمية الاحتراق الوظيفي بأنه ظاهرة مهنية تنتج عن ضغوط مزمنة في بيئة العمل لم تُدار بصورة صحيحة، وهو تعريف يلفت الانتباه إلى نقطة مهمة؛ فالمشكلة ليست دائمًا في الموظف، وإنما قد تكون في البيئة التي يعمل فيها، وفي الثقافة الإدارية التي تحيط به.
وربما لهذا السبب، يعود كثير من الموظفين من إجازاتهم ليجدوا الشعور نفسه في انتظارهم، وكأن الأيام التي قضوها بعيدًا عن العمل لم تكن سوى استراحة قصيرة قبل العودة إلى الدائرة ذاتها.
لقد أصبح من السهل أن نطلب من الموظف أن يكون أكثر صبرًا، وأكثر تحملًا، وأكثر إنتاجية، لكننا نادرًا ما نسأل: هل وفرنا له بيئة تساعده على الاستمرار؟
فالإنسان لا ينهكه العمل دائمًا، بل قد ينهكه الشعور بأنه يعمل في مكان لا يرى جهده، ولا يسمع صوته، ولا يمنحه الثقة أو التقدير الذي يستحقه
الباحثة في علم النفس التنظيمي كريستينا ماسلاش، التي كرّست سنوات لدراسة هذه الظاهرة، ترى أن الاحتراق الوظيفي لا يعكس ضعفًا في شخصية الإنسان، بقدر ما يكشف عن خلل في بيئة العمل نفسها، حيث تتراكم الضغوط، وتغيب العدالة، ويضعف التقدير، فيصبح الاحتراق نتيجة طبيعية لا حالة استثنائية.
ومن خلال أحاديث مع موظفين في قطاعات مختلفة، كان القاسم المشترك بينهم أنهم لم يكونوا يطالبون بعمل أقل، بل بعمل أكثر إنصافًا، لم يكونوا يبحثون عن ساعات أقل، بل عن مدير يستمع، وبيئة تثق، وثقافة تعترف بأن الموظف إنسان قبل أن يكون رقمًا في كشف الحضور.
ولعل أخطر ما نمارسه اليوم أننا نمجّد الإرهاق دون أن نشعر، فنصف من يعمل حتى ساعات متأخرة بأنه الأكثر إخلاصًا، ومن لا يأخذ إجازته بأنه الأكثر التزامًا، ومن يضحي بوقته وصحته بأنه الموظف المثالي، حتى أصبح الاستنزاف عند بعض المؤسسات معيارًا غير معلن للنجاح.
لكن الحقيقة أن الموظف المنهك قد ينجز اليوم، إلا أنه لن يستطيع أن يبدع غدًا
ولهذا، فإن مواجهة الاحتراق الوظيفي لا تبدأ بإجازة أطول، وإنما بإعادة النظر في ثقافة العمل من جذورها.
تبدأ بقيادة تدرك أن الإدارة ليست مجرد توزيع للمهام، بل مسؤولية عن بناء بيئة يشعر فيها الإنسان بالأمان والاحترام، وبأن جهده يُقدَّر، ورأيه يُسمع، وإنجازه يُحتفى به
وتبدأ أيضًا بأنظمة عمل أكثر مرونة، وعدالة في توزيع المسؤوليات، ووضوح في الأدوار، وتواصل صادق بين المدير وموظفيه، لأن كثيرًا من الضغوط لا تصنعها كثرة الأعمال، بل يصنعها الغموض، وضعف التواصل، والشعور بعدم الإنصاف.
وفي المقابل، لا تقع المسؤولية على المؤسسة وحدها، فالموظف أيضًا شريك في حماية نفسه من الاستنزاف، حين يدرك أن الالتزام لا يعني أن يكون متاحًا في كل ساعة، وأن النجاح لا يقاس بعدد الساعات التي يقضيها في المكتب، بل بالأثر الذي يتركه، وأن وضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية ليس رفاهية، بل ضرورة تضمن استمراره وقدرته على العطاء.
إن جودة الحياة الوظيفية لا تتحقق عندما نعمل أقل، وإنما عندما نعمل بصورة أكثر اتزانًا، فنمنح العمل حقه، ونمنح أجسادنا حقها، ونمنح عائلاتنا وقتها، ونمنح عقولنا فرصة لاستعادة طاقتها، لأن الإنسان الذي يعيش حياة متوازنة لا يصبح أقل إنتاجية، بل أكثر استقرارًا، وأكثر إبداعًا، وأكثر قدرة على الاستمرار.
ربما لا نستطيع أن نمنع ضغوط العمل، فهي جزء من أي مهنة، لكننا نستطيع أن نمنع تحولها إلى استنزاف دائم، إذا أدركت المؤسسات أن نجاحها يبدأ من صحة موظفيها، وأدرك الموظفون أن الحفاظ على أنفسهم ليس أنانية، بل استثمار طويل الأمد في حياتهم ومستقبلهم.
فالإجازة قد تمنحنا فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لن تطفئ الاحتراق الوظيفي ما لم نعالج أسبابه، لأن الإنسان لا يحتاج إلى مزيد من الأيام بعيدًا عن عمله، بقدر ما يحتاج إلى بيئة عمل لا تستنزفه كلما عاد إليها.
كم مرة قلت لنفسك: “لو حصلت على إجازة، سأعود كما كنت”؟
سؤال يتكرر على ألسنة آلاف الموظفين، لكنه يكشف عن حقيقة مؤلمة؛ فالمشكلة ليست في قلة الإجازات، بل في أن كثيرًا منا أصبح يبحث عن الإجازة لينجو من العمل، لا ليستريح منه
وهنا تحديدًا يبدأ الاحتراق الوظيفي.
ليس الاحتراق الوظيفي تعبًا يزول بعد نومٍ طويل، ولا مللًا مؤقتًا من ضغط العمل، بل هو حالة من الاستنزاف النفسي والذهني والعاطفي، تنشأ عندما تستمر ضغوط العمل لفترة طويلة دون وجود توازن أو دعم أو شعور بالتقدير، فيبدأ الإنسان بفقدان طاقته تدريجيًا، ثم يفقد حماسه، ثم يتراجع إحساسه بقيمة ما يقدمه، حتى تصبح المهام التي كان يؤديها بشغف مجرد عبء يحاول الانتهاء منه.
وقد وصفت منظمة الصحة العالمية الاحتراق الوظيفي بأنه ظاهرة مهنية تنتج عن ضغوط مزمنة في بيئة العمل لم تُدار بصورة صحيحة، وهو تعريف يلفت الانتباه إلى نقطة مهمة؛ فالمشكلة ليست دائمًا في الموظف، وإنما قد تكون في البيئة التي يعمل فيها، وفي الثقافة الإدارية التي تحيط به.
وربما لهذا السبب، يعود كثير من الموظفين من إجازاتهم ليجدوا الشعور نفسه في انتظارهم، وكأن الأيام التي قضوها بعيدًا عن العمل لم تكن سوى استراحة قصيرة قبل العودة إلى الدائرة ذاتها.
لقد أصبح من السهل أن نطلب من الموظف أن يكون أكثر صبرًا، وأكثر تحملًا، وأكثر إنتاجية، لكننا نادرًا ما نسأل: هل وفرنا له بيئة تساعده على الاستمرار؟
فالإنسان لا ينهكه العمل دائمًا، بل قد ينهكه الشعور بأنه يعمل في مكان لا يرى جهده، ولا يسمع صوته، ولا يمنحه الثقة أو التقدير الذي يستحقه
الباحثة في علم النفس التنظيمي كريستينا ماسلاش، التي كرّست سنوات لدراسة هذه الظاهرة، ترى أن الاحتراق الوظيفي لا يعكس ضعفًا في شخصية الإنسان، بقدر ما يكشف عن خلل في بيئة العمل نفسها، حيث تتراكم الضغوط، وتغيب العدالة، ويضعف التقدير، فيصبح الاحتراق نتيجة طبيعية لا حالة استثنائية.
ومن خلال أحاديث مع موظفين في قطاعات مختلفة، كان القاسم المشترك بينهم أنهم لم يكونوا يطالبون بعمل أقل، بل بعمل أكثر إنصافًا، لم يكونوا يبحثون عن ساعات أقل، بل عن مدير يستمع، وبيئة تثق، وثقافة تعترف بأن الموظف إنسان قبل أن يكون رقمًا في كشف الحضور.
ولعل أخطر ما نمارسه اليوم أننا نمجّد الإرهاق دون أن نشعر، فنصف من يعمل حتى ساعات متأخرة بأنه الأكثر إخلاصًا، ومن لا يأخذ إجازته بأنه الأكثر التزامًا، ومن يضحي بوقته وصحته بأنه الموظف المثالي، حتى أصبح الاستنزاف عند بعض المؤسسات معيارًا غير معلن للنجاح.
لكن الحقيقة أن الموظف المنهك قد ينجز اليوم، إلا أنه لن يستطيع أن يبدع غدًا
ولهذا، فإن مواجهة الاحتراق الوظيفي لا تبدأ بإجازة أطول، وإنما بإعادة النظر في ثقافة العمل من جذورها.
تبدأ بقيادة تدرك أن الإدارة ليست مجرد توزيع للمهام، بل مسؤولية عن بناء بيئة يشعر فيها الإنسان بالأمان والاحترام، وبأن جهده يُقدَّر، ورأيه يُسمع، وإنجازه يُحتفى به
وتبدأ أيضًا بأنظمة عمل أكثر مرونة، وعدالة في توزيع المسؤوليات، ووضوح في الأدوار، وتواصل صادق بين المدير وموظفيه، لأن كثيرًا من الضغوط لا تصنعها كثرة الأعمال، بل يصنعها الغموض، وضعف التواصل، والشعور بعدم الإنصاف.
وفي المقابل، لا تقع المسؤولية على المؤسسة وحدها، فالموظف أيضًا شريك في حماية نفسه من الاستنزاف، حين يدرك أن الالتزام لا يعني أن يكون متاحًا في كل ساعة، وأن النجاح لا يقاس بعدد الساعات التي يقضيها في المكتب، بل بالأثر الذي يتركه، وأن وضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية ليس رفاهية، بل ضرورة تضمن استمراره وقدرته على العطاء.
إن جودة الحياة الوظيفية لا تتحقق عندما نعمل أقل، وإنما عندما نعمل بصورة أكثر اتزانًا، فنمنح العمل حقه، ونمنح أجسادنا حقها، ونمنح عائلاتنا وقتها، ونمنح عقولنا فرصة لاستعادة طاقتها، لأن الإنسان الذي يعيش حياة متوازنة لا يصبح أقل إنتاجية، بل أكثر استقرارًا، وأكثر إبداعًا، وأكثر قدرة على الاستمرار.
ربما لا نستطيع أن نمنع ضغوط العمل، فهي جزء من أي مهنة، لكننا نستطيع أن نمنع تحولها إلى استنزاف دائم، إذا أدركت المؤسسات أن نجاحها يبدأ من صحة موظفيها، وأدرك الموظفون أن الحفاظ على أنفسهم ليس أنانية، بل استثمار طويل الأمد في حياتهم ومستقبلهم.
فالإجازة قد تمنحنا فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لن تطفئ الاحتراق الوظيفي ما لم نعالج أسبابه، لأن الإنسان لا يحتاج إلى مزيد من الأيام بعيدًا عن عمله، بقدر ما يحتاج إلى بيئة عمل لا تستنزفه كلما عاد إليها.