لم تُصِبْ هدفك يا معلمي

بقلم / نايف الربيعة
اهلا التحقت بأحد معاهد الدراسات المتخصصة، وكانت الأيام الأولى فيه مختلفة عن أي أيام مرت علي في دراستي السابقة.
كان الناس يتعرفون على بعضهم البعض، بينما كان هناك من لا يرغب في ذلك.
انتظرنا حتى دخل المعلم (أ)، فعرف بنفسه وتعرف علينا، ومن ثم بدأنا الدرس الأول بروحٍ حماسية.
ولكن جاءت الصدمة التي جعلت المعلم (أ) مذهولًا، وعيناه محلقتان من الدهشة، لأنه وجد أن الأغلبية التي في الفصل لا تجيد إحدى اللغات التي كان ينبغي أنهم درسوها لمدة لا تقل عن عشر سنوات على الأقل.
كيف ذلك؟
ثم سكت قليلًا حتى لا يكون سببًا في كبت المشاعر أو إحباطها، لأن المعلم (أ) بطبيعة الحال كان لطيفًا جدًا.
مرت الأيام، وتعرفنا عليه أكثر وأكثر، وعرفني أنا على وجه التحديد، حتى إنه ميزني بين زملائي، فكان دائمًا يناديني بالأستاذ أو بالكاتب.
عجيبٌ أمر المعلم (أ).
ثم أصبح يعاتبنا بحرقة، بحرقة الأب الذي يشعر أن أبناءه ضائعون.
كان يقول:
“من درسكم؟ وكيف نجحتم؟ من السبب في ذلك؟ لماذا لم يخف الله فيكم؟”
ثم كان يصمت وكأن تلك الأسئلة لم تكن موجهة لنا بقدر ما كانت موجهة إلى من أوصلنا إلى هذه الحال.
وفي أحد الأيام نظر إليَّ بنظرةٍ اجتمع فيها الغضب والمسؤولية، ثم قال:
“هذه مهمتك أنت.”
توقفت قليلًا عند تلك العبارة.
لم أفهمها في البداية، لكنني أدركت مع الأيام أنه لم يكن يقصد مهمةً دراسية أو واجبًا عابرًا، بل كان يقصد أن تُكتب هذه الحقيقة، وأن تُروى هذه القصة، وأن يُسمع صوت من ضاعت بينهم مهاراتٌ درسوها سنين طويلة، ثم خرجوا إلى الحياة وهم يظنون أنهم تعلموا، حتى اكتشفوا أنهم لم يتقنوا ما يكفي لمواجهة واقعهم.
ومنذ تلك اللحظة شعرت أن الأمر لم يعد مجرد شكوى أو قصة تُروى، بل مسؤولية يجب أن تُكتب
لم يسعني سوى أن آخذ كتابي وقلمي، وأكتب رسالتي هذه لكل معلم، ولكل من يملك قرارًا في صناعة جيلٍ جديد.
لا أقصد بكلامي هذا الإساءة إلى أي معلم، بقدر ما أود أن أخبرهم عن حقيقةٍ قائمة أعيشها أنا وغيري، حقيقة ألمٍ عاشها جيلٌ كامل.
كما أود أن أنبّه أيضًا إلى أن هذا التقصير لم يأتِ من جهةٍ وزارية أو من وزارة التعليم بحد ذاتها، فجهود المملكة، ممثلةً بوزاراتها وهيئاتها التعليمية، جهودٌ نبيلة تهدف إلى صناعة جيلٍ قادرٍ على اتخاذ القرار وحمل مسؤولية المستقبل.
ولكن ذلك التقصير وقع ممن كانت بين يديه أمانة، فلم يحترمها حق الاحترام، أو لم يصنها كما ينبغي.
فالأمانات العظيمة لا تضيع دائمًا بسبب ضعف الأنظمة، بل قد تضيع أحيانًا بسبب من أُوكلت إليه المسؤولية فلم يؤدِّها كما يجب.
ولهذا فإن حديثي ليس عن مؤسسة، ولا عن وطن، ولا عن منظومة تعليمية كاملة، بل عن أفرادٍ قصّروا في أداء أمانتهم، فكان لتقصيرهم أثرٌ امتد إلى نفوس طلابٍ ما زالوا يحملون آثار ذلك إلى اليوم
لم تصب هدفك يا معلمي، فسهامك أصابتني وجعلت في حياتي جروحًا بليغة أرهقني تطهِيرُها.
أحسبت أنك بذلك أسعدتني وكسبت مودتي وقربي؟ لا والله.
أعجب أنك أخرتني وأرهقتني وتركتني الملم حطاماً، هدمته بيديك، وأنظف رماد حريقٍ مست ناره مشاعري.
وكلما أردت أن أخرج قليلًا إلى نور علمي ظهرت لي بصورةٍ فيها غدر، تدسُّ السُّمَّ في العسلِ.
لم أكرهك يومًا يا معلمي لأنك علمتني بالمسطرة والقلمِ، لكنني أردت أن تكون نجمتي إذا انطفأ نورُ بهجتي.
ليتك علمتني وشددت يديك عليَّ خوفًا من الضياع، وأصبحت يومًا من الأيام عيني التي ترى في المستقبل.
ماذا يرى ذلك الطفل الصغير؟
ذلك الطفل الذي كان ينتظر منك كلمةً ترفعه، لا كلمةً تكسره، وينتظر منك يدًا تعينه، لا يدًا تدفعه إلى السقوط.
فما زال واقفًا بين ما تعلمه منك، وما خسره بسببك، يحاول أن يجمع ما تبقى من أحلامه، وأن يصدق أن الطريق ما زال طويلًا، وأن النور لا يزال موجودًا في آخره.
معلمي الذي كان يتماشى مع رغبتي الطائشة، لأني طالبٌ صغيرٌ في العمر، لا أعي مسؤولية ذلك اليوم الذي سأقف فيه مُكَبَّلَ الأيدي، مُضَيِّعًا فرصتي ونصيبي من الحياة.
ذلك المعلم الذي اشترى الشكر والثناء من أبي، ولم يشترِ ضميره وشرفَ المهنة.
نعم، شرفَ المهنة.
مهنةُ المعلم التي لا ينالها رجلٌ إلا وأصبح على عاتقه حملٌ ثقيل، يحمل رسالةً للأجيال القادمة، ويصنع جيلًا يقرر وينفذ؛ فقد قيل إن البلد لا يبنيها سوى بَنيها.
وقد قيل إن المعلم كاد أن يكون رسولًا، وقيلت فيه أعذب القصائد وأطيبها، وضُرِبَت فيه الأمثال.
أفلا يعي ذلك المعلم؟ ألا يدرك أنه أراد أن يشتري راحةَ باله ووقته أيضًا، وأن يكسب سمعةً حسنةً أمام الطلاب وأولياء الأمور، ولو كان الثمن مستقبلَ طالبٍ وثق به يومًا
اخيراً
هذه ليست عبارات تأملية أو مشاعر أكتبها فحسب، بل هي واقعٌ بليغ أعيشه أنا والكثير ممن كانوا في عمري، كأي شابٍ يدرس في المراحل التعليمية من الابتدائية حتى الثانوية، ممهدًا طريقه للدخول إلى الجامعة أو إلى مراحل تعليمية أخرى.
معلمي الفاضل مستقبل هذه الأمة هو ذلك الطفل الذي معك في الفصل، ذلك الولد الذي سيحكم زمانًا من الأزمان، فإما أن يشكر لك ما قدمت له، وإما أن يتحسر على ما فاته من ضياع.
لا تشترِ راحتك يا أستاذ، ولا تتجاوز في حق هذا الطالب، ولا تنتقص من حقه في التعليم.
بل اجعل راحتك في صناعة جيلٍ ترتكز عليه أركان هذه الأمة، جيلٍ يحمل العلم والأخلاق والمسؤولية، ويكون امتدادًا صالحًا لمن سبقه.
فرب كلمةٍ منك صنعت مستقبلًا، ورب إهمالٍ منك هدم حلمًا كان ينتظر أن يرى النور.
كان الناس يتعرفون على بعضهم البعض، بينما كان هناك من لا يرغب في ذلك.
انتظرنا حتى دخل المعلم (أ)، فعرف بنفسه وتعرف علينا، ومن ثم بدأنا الدرس الأول بروحٍ حماسية.
ولكن جاءت الصدمة التي جعلت المعلم (أ) مذهولًا، وعيناه محلقتان من الدهشة، لأنه وجد أن الأغلبية التي في الفصل لا تجيد إحدى اللغات التي كان ينبغي أنهم درسوها لمدة لا تقل عن عشر سنوات على الأقل.
كيف ذلك؟
ثم سكت قليلًا حتى لا يكون سببًا في كبت المشاعر أو إحباطها، لأن المعلم (أ) بطبيعة الحال كان لطيفًا جدًا.
مرت الأيام، وتعرفنا عليه أكثر وأكثر، وعرفني أنا على وجه التحديد، حتى إنه ميزني بين زملائي، فكان دائمًا يناديني بالأستاذ أو بالكاتب.
عجيبٌ أمر المعلم (أ).
ثم أصبح يعاتبنا بحرقة، بحرقة الأب الذي يشعر أن أبناءه ضائعون.
كان يقول:
“من درسكم؟ وكيف نجحتم؟ من السبب في ذلك؟ لماذا لم يخف الله فيكم؟”
ثم كان يصمت وكأن تلك الأسئلة لم تكن موجهة لنا بقدر ما كانت موجهة إلى من أوصلنا إلى هذه الحال.
وفي أحد الأيام نظر إليَّ بنظرةٍ اجتمع فيها الغضب والمسؤولية، ثم قال:
“هذه مهمتك أنت.”
توقفت قليلًا عند تلك العبارة.
لم أفهمها في البداية، لكنني أدركت مع الأيام أنه لم يكن يقصد مهمةً دراسية أو واجبًا عابرًا، بل كان يقصد أن تُكتب هذه الحقيقة، وأن تُروى هذه القصة، وأن يُسمع صوت من ضاعت بينهم مهاراتٌ درسوها سنين طويلة، ثم خرجوا إلى الحياة وهم يظنون أنهم تعلموا، حتى اكتشفوا أنهم لم يتقنوا ما يكفي لمواجهة واقعهم.
ومنذ تلك اللحظة شعرت أن الأمر لم يعد مجرد شكوى أو قصة تُروى، بل مسؤولية يجب أن تُكتب
لم يسعني سوى أن آخذ كتابي وقلمي، وأكتب رسالتي هذه لكل معلم، ولكل من يملك قرارًا في صناعة جيلٍ جديد.
لا أقصد بكلامي هذا الإساءة إلى أي معلم، بقدر ما أود أن أخبرهم عن حقيقةٍ قائمة أعيشها أنا وغيري، حقيقة ألمٍ عاشها جيلٌ كامل.
كما أود أن أنبّه أيضًا إلى أن هذا التقصير لم يأتِ من جهةٍ وزارية أو من وزارة التعليم بحد ذاتها، فجهود المملكة، ممثلةً بوزاراتها وهيئاتها التعليمية، جهودٌ نبيلة تهدف إلى صناعة جيلٍ قادرٍ على اتخاذ القرار وحمل مسؤولية المستقبل.
ولكن ذلك التقصير وقع ممن كانت بين يديه أمانة، فلم يحترمها حق الاحترام، أو لم يصنها كما ينبغي.
فالأمانات العظيمة لا تضيع دائمًا بسبب ضعف الأنظمة، بل قد تضيع أحيانًا بسبب من أُوكلت إليه المسؤولية فلم يؤدِّها كما يجب.
ولهذا فإن حديثي ليس عن مؤسسة، ولا عن وطن، ولا عن منظومة تعليمية كاملة، بل عن أفرادٍ قصّروا في أداء أمانتهم، فكان لتقصيرهم أثرٌ امتد إلى نفوس طلابٍ ما زالوا يحملون آثار ذلك إلى اليوم
لم تصب هدفك يا معلمي، فسهامك أصابتني وجعلت في حياتي جروحًا بليغة أرهقني تطهِيرُها.
أحسبت أنك بذلك أسعدتني وكسبت مودتي وقربي؟ لا والله.
أعجب أنك أخرتني وأرهقتني وتركتني الملم حطاماً، هدمته بيديك، وأنظف رماد حريقٍ مست ناره مشاعري.
وكلما أردت أن أخرج قليلًا إلى نور علمي ظهرت لي بصورةٍ فيها غدر، تدسُّ السُّمَّ في العسلِ.
لم أكرهك يومًا يا معلمي لأنك علمتني بالمسطرة والقلمِ، لكنني أردت أن تكون نجمتي إذا انطفأ نورُ بهجتي.
ليتك علمتني وشددت يديك عليَّ خوفًا من الضياع، وأصبحت يومًا من الأيام عيني التي ترى في المستقبل.
ماذا يرى ذلك الطفل الصغير؟
ذلك الطفل الذي كان ينتظر منك كلمةً ترفعه، لا كلمةً تكسره، وينتظر منك يدًا تعينه، لا يدًا تدفعه إلى السقوط.
فما زال واقفًا بين ما تعلمه منك، وما خسره بسببك، يحاول أن يجمع ما تبقى من أحلامه، وأن يصدق أن الطريق ما زال طويلًا، وأن النور لا يزال موجودًا في آخره.
معلمي الذي كان يتماشى مع رغبتي الطائشة، لأني طالبٌ صغيرٌ في العمر، لا أعي مسؤولية ذلك اليوم الذي سأقف فيه مُكَبَّلَ الأيدي، مُضَيِّعًا فرصتي ونصيبي من الحياة.
ذلك المعلم الذي اشترى الشكر والثناء من أبي، ولم يشترِ ضميره وشرفَ المهنة.
نعم، شرفَ المهنة.
مهنةُ المعلم التي لا ينالها رجلٌ إلا وأصبح على عاتقه حملٌ ثقيل، يحمل رسالةً للأجيال القادمة، ويصنع جيلًا يقرر وينفذ؛ فقد قيل إن البلد لا يبنيها سوى بَنيها.
وقد قيل إن المعلم كاد أن يكون رسولًا، وقيلت فيه أعذب القصائد وأطيبها، وضُرِبَت فيه الأمثال.
أفلا يعي ذلك المعلم؟ ألا يدرك أنه أراد أن يشتري راحةَ باله ووقته أيضًا، وأن يكسب سمعةً حسنةً أمام الطلاب وأولياء الأمور، ولو كان الثمن مستقبلَ طالبٍ وثق به يومًا
اخيراً
هذه ليست عبارات تأملية أو مشاعر أكتبها فحسب، بل هي واقعٌ بليغ أعيشه أنا والكثير ممن كانوا في عمري، كأي شابٍ يدرس في المراحل التعليمية من الابتدائية حتى الثانوية، ممهدًا طريقه للدخول إلى الجامعة أو إلى مراحل تعليمية أخرى.
معلمي الفاضل مستقبل هذه الأمة هو ذلك الطفل الذي معك في الفصل، ذلك الولد الذي سيحكم زمانًا من الأزمان، فإما أن يشكر لك ما قدمت له، وإما أن يتحسر على ما فاته من ضياع.
لا تشترِ راحتك يا أستاذ، ولا تتجاوز في حق هذا الطالب، ولا تنتقص من حقه في التعليم.
بل اجعل راحتك في صناعة جيلٍ ترتكز عليه أركان هذه الأمة، جيلٍ يحمل العلم والأخلاق والمسؤولية، ويكون امتدادًا صالحًا لمن سبقه.
فرب كلمةٍ منك صنعت مستقبلًا، ورب إهمالٍ منك هدم حلمًا كان ينتظر أن يرى النور.