×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

تأملات في انقضاء العمر واستقبال عام جديد

تأملات في انقضاء العمر واستقبال عام جديد
بقلم : عامر آل عامر 
في تقويم الحياة لا توجد سنة جديدة بالمعنى الذي نتصوره، بل توجد طبقة جديدة من العمر تُضاف إلى أرشيف الإنسان، وتُغلق في المقابل طبقة أخرى لا يمكن فتحها مرة ثانية، حتى لو بكى صاحبها على عتبتها طويلًا.

إن الزمن لا يبدّل أرقامه فقط، بل يبدّلنا نحن دون أن يستأذن، يمرّ بهدوءٍ يشبه الغفلة، ثم يترك خلفه نسخةً أخرى من الإنسان: أقل براءة، أكثر معرفة، وأشدّ إدراكًا بأن ما فات لم يكن مجرد أيام، بل كان نحن أنفسنا في هيئةٍ سابقة.

ليس الخطر في مرور السنوات، بل في طريقة مرورنا نحن خلالها. فهناك من يعبر الزمن فيرتفع به، وهناك من يعبره فينزلق منه دون أن يشعر، حتى يصبح الماضي عنده أطول من الحاضر، والأحلام أكبر من القدرة على اللحاق بها.

كل لحظة لم تُعش بوعي هي جزء من العمر تم تسليمه بلا مقابل، وكل فرصة أُجلت ظنًا بأنها ستنتظر، كانت في الحقيقة تغادر بصمتٍ لا يلتفت إليه إلا بعد فواته.

لذلك لا يعود الإنسان يحنّ إلى السنوات، بل يحنّ إلى نسخه التي كان يستطيع أن يكونها ولم يفعل.
ولو تأمل المرء حياته لوجد أن أكثر ما يثقله ليس الذنوب وحدها، بل تلك المساحات الرمادية بين نيةٍ لم تكتمل، وخطوةٍ لم تُخطَ، وكلمةٍ تأخرت حتى فقدت معناها، وعلاقةٍ انطفأت قبل أن تُروى.

إن العام الجديد ليس بابًا يُفتح في الزمن، بل مرآة تُرفع في وجه الروح، تُظهر بوضوح ما حاول الإنسان أن يؤجله طويلًا: حقيقة أنه لا يملك إلا الآن، وأن ما بعد الآن مجرد افتراض لا ضمان له.

ولهذا كان الوعي الحقيقي بالزمن ليس في عدّ الأيام، بل في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من النفس قبل أن تصبح الذكريات وحدها هي الشاهد الأخير.

فالإنسان لا يُقاس بعدد الأعوام التي عاشها، بل بعدد اللحظات التي انتبه فيها أنه يعيش فعلًا.
التعليقات