×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

اليتيم الذي وُلد من رحم المعاناة

اليتيم الذي وُلد من رحم المعاناة
بقلم/ حسين أحمد الألمعي 
هناك أناس يولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهب، وآخرون يولدون وفي قلوبهم جراح لا يراها أحد. وبين هؤلاء وأولئك يقف اليتيم، ذلك الطفل الذي فتحت عيناه على الدنيا فلم يجد ظلاً لأب يستند إليه، ولا كتفاً يحتمي به من عواصف الأيام.

كان بطلاً لقصة تشبه قصص آلاف المغمورين الذين مروا في هذه الحياة بصمت. فقد أباه صغيراً، قبل أن يتعلم كيف يمسك بيده، وقبل أن يحفظ ملامحه جيداً. ومنذ ذلك اليوم صار يتيماً في زمن لا يرحم الضعفاء، يعيش وسط مجتمع قاسٍ لا يرى في الإنسان إلا ما يملك، ولا يزن القلوب بما تحمله من صبر وألم.

كبر الطفل بين نظرات الشفقة أحياناً، ونظرات الاحتقار أحياناً أخرى. كان يسمع الكلمات الجارحة التي تُقال همساً وجهراً، ويشعر أن بعض الناس كانوا يعاملونه وكأن اليتم عيب أو ذنب اقترفه بيديه. فإذا أخطأ مرة عوقب ألف مرة، وإذا نجح لم يجد من يصفق له، وإذا تعثر وجد من يشمت به قبل أن يجد من يمد له يد العون.

عرف مبكراً أن الحياة ليست عادلة دائماً. رأى أقرانه يعودون إلى آبائهم بعد يوم طويل، بينما كان يعود إلى فراغ كبير لا يملؤه شيء. ورأى من يسندهم آباؤهم في الدراسة والعمل والحياة، بينما كان عليه أن يتعلم الوقوف وحده، وأن يصنع من انكساراته سلماً يصعد به نحو القمة.

ولم تكن قسوة المجتمع وحدها هي معركته، بل كانت معركته الأكبر مع اليأس؛ ذلك الصوت الخفي الذي كان يهمس له كلما ضاقت به الدنيا: لن تستطيع، لن تصل، لقد بدأت متأخراً عن الجميع.

لكن الرجال الحقيقيين لا يولدون في النعيم، بل تصنعهم المحن. وكل ضربة تلقاها كانت تضيف إلى روحه صلابة جديدة، وكل باب أُغلق في وجهه كان يدفعه للبحث عن باب آخر، وكل سخرية سمعها كانت تتحول في داخله إلى طاقة وقوة تدفعه إلى الأمام.

تعلم أن الدموع لا تبني مستقبلاً، وأن الشكوى لا تغير الواقع. فحمل أحلامه على كتفيه وسار. تعثر كثيراً، وسقط كثيراً، لكنه كان ينهض في كل مرة أكثر قوة وصلابة مما كان عليه قبل السقوط. لقد أدرك أن الحياة لا تسأل الإنسان ماذا كان، بل تسأله ماذا صنع بنفسه.

ومع مرور السنين بدأت الصورة تتغير. ذلك الطفل الذي كان البعض ينظر إليه بشفقة صار رجلاً ينظر إليه الناس بإعجاب. وذلك اليتيم الذي ظن كثيرون أنه سيضيع في زحام الحياة أصبح مثالاً للصبر والكفاح. نجح في عمله، ونجح في بناء ذاته، ونجح قبل ذلك كله في الانتصار على الجراح التي حاولت أن تهزمه.

وحين وقف يوماً يتأمل رحلته الطويلة وتلك الوجوه النكرة، لم يتذكر الذين خذلوه بقدر ما تذكر الدروس التي تعلمها منهم. فقد علمته القسوة كيف يكون رحيماً، وعلمته الحاجة كيف يكون كريماً، وعلمه اليتم كيف يكون أباً حنوناً لمن حوله.

لقد اكتشف أن أعظم انتصار لا يكون على الآخرين، بل على الظروف التي أرادت أن تكسر الإنسان فلم تستطع. وأن النجاح الحقيقي ليس أن يصل المرء إلى القمة فقط، بل أن يصل إليها دون أن يفقد إنسانيته.

وهكذا انتهت الحكاية كما تبدأ الأساطير الجميلة. طفل يتيم واجه مجتمعاً جائراً، وقلوباً قاسية، وطرقاً موحشة، لكنه لم يسمح لليتم أن يكون نهاية قصته، بل جعله بداية مجده. فصار شاهداً على حقيقة خالدة تقول:

إن بعض الرجال لا تصنعهم الأقدار السهلة، بل تصنعهم العواصف. وكلما اشتدت الريح ازدادوا ثباتاً، حتى يأتي اليوم الذي يقفون فيه شامخين، بينما تتساقط حولهم كل الأشياء التي ظنت يوماً أنها قادرة على كسرهم.
التعليقات