×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

صداقة على كف عفريت

صداقة على كف عفريت
بقلم/ حسين أحمد الألمعي 
الحياة ليست طريقا مستقيما كما كنا نظن،
بل مفترقات متعرجة ومتشابكة نلتقي فيها بوجوه كثيرة ومختلفة،
حتى كشفت لنا الأيام أن ليس كل الطرق تؤدي إلى الوفاء، وأن بعض الأصدقاء لم يكونوا سوى عابري مصلحة يرتدون ثياب المحبة الملطخة بالزيف.

كنا نعتقد أن الصداقة هي تلك الأسرة البديلة، وأن الرفاق هم من نلجأ إليهم ونختارهم حين تضيق بنا دوائر الحياة، تركنا خلفنا مسؤوليات كانت أولى، وأهلا كانوا أوفى وأصدق، ومضينا نركض نحو وجوه كانت تلبس أقنعة الإخلاص.

كم من مرة أخرنا واجبا لأجل الأصدقاء والأصحاب،
وكم من ليلة أقتطعناها من راحة وسعادة من يحبوننا لنكون حيث يريدون وكيف يريدون، ظننا أن التضحية لغة تفهم، وأن الصحبة دين يرد، وأن العلاقات خلقت لتبقى معنا إلى آخر العمر.

الأيام كانت كفيلة أن تكشف كل الأقنعة الزائفة،
وتظهر الحقيقة من بين ركام المجاملات، فجأة تغيرت النبرات وكل المعاني والعبارات، صاروا يتذرعون بكلمات لامعة كالأسرة والالتزامات وضيق الوقت،
وكأنهم أول من اكتشفوا قانون الحياة، بل كأنهم وحدهم من عبروا عتبة الزواج وأنجبوا وانشغلوا.

يرفعون هذه المفردات كرايات بيضاء في وجه العتب، لكنها في حقيقتها ستار رقيق يخفي فراغ الوفاء والصداقة الزائفة،
نسوا بل تناسوا أن المسؤولية لا تلغي المروءة والوفاء والصداقة، اللهم إلا من كانت الصداقة في نظرهم ممر مؤقت للتسلية،
فأي سخرية هذه أن يتحول من كنا نؤجل من أجلهم أعمارنا وأعمالنا إلى وجوه كانت تتخفى وراء أعذار محفوظة ومدروسة.

لم يعد العتب مجديا ولا الندم نافعا، فالأيام كانت كفيلة بفضح الصحبة المزيفة والود الكاذب، وأن نضع كل امرئ في موضعه الحقيقي، ونعيد ترتيب المعاني، ونمنح القرب لمن يستحقه لا من يضيعه ويذهب أدراج الرياح، ونعتزل أولئك الذين باعوا الرفقة بثمن الأعذار الواهية لفراغهم الذي اختاروه.

ومن باع عهدا قديما بثمن الوقت سيبيع كل من حوله من أجل أنانية الذات، فالعلاقة التي تمحى بحجة الانشغال لم تكن يوما راسخة، بل كانت خيطا واهيا ينتظر أول نسمة عابرة لينقطع،
فأولئك الذين كنا نراهم كل شيء أصبحوا لا يمثلون لنا الآن أي شيء، وعلمونا كيف يتحول القرب إلى مسافات، وأن الوجوه قد لا تتغير بل تظهر على حقيقتها دون أقنعة.

مع هذا وذاك لم نخرج خالين خائبين، خرجنا أكثر وعيا نحسن الاختيار ونضع أنفسنا حيث تستحق،
لم تعد الصداقة عندنا اندفاعا أعمى بل صارت بصيرة قبل البصر، ولم تعد التضحية عادة بل صارت ميزانا لا يعطى إلا لمن يثبت أنه أهل له، حتى لا تصبح الصداقة على كف عفريت..
التعليقات