×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

جنون العظمة… حين يتحول الطموح إلى وهم

جنون العظمة… حين يتحول الطموح إلى وهم
بقلم / موضي عوده العمراني 

في أعماق النفس البشرية، تكمن رغبة فطرية في التميّز، وفي أن يكون للإنسان حضور مختلف وأثر يُذكر. هذه الرغبة هي التي تدفعه للسعي، وتغذّي طموحه، وتجعله يتجاوز حدوده نحو الأفضل. لكنها، كغيرها من المشاعر، إن فقدت توازنها تحولت من قوة دافعة إلى عبء خفي، ومن طموح مشروع إلى ما يُعرف بـ”جنون العظمة”.

جنون العظمة ليس ثقة بالنفس كما قد يُظن، بل هو انحراف في تقدير الذات، حيث يرى الإنسان نفسه في موضع أعلى من الآخرين بشكل مطلق، لا يقبل المقارنة ولا يعترف بالنقص. يتحول في نظر نفسه إلى محور كل شيء، وتغدو إنجازاته عظيمة مهما صغرت، بينما تتضاءل إنجازات غيره مهما كبرت. هنا، لا يعود يرى الناس شركاء في الطريق، بل مجرد خلفية باهتة لصورته المتضخمة.

تكمن خطورة هذا الشعور في آثاره العميقة. فحين يُغلق الإنسان باب النقد، يغلق معه باب التطور. وحين يرفض الاعتراف بالخطأ، يكرر السقوط دون أن يتعلم. ومع مرور الوقت، تتآكل علاقاته، لأن التعالي لا يبني جسورًا، بل يهدمها بصمت. فيخسر من حوله تدريجيًا، حتى يجد نفسه وحيدًا، يصفق لنفسه في مسرحٍ خالٍ.

والأخطر من ذلك أن جنون العظمة لا يظهر فجأة، بل يتسلل بهدوء. يبدأ بثقة مشروعة، ثم يتحول إلى إعجاب زائد، ثم إلى استعلاء، حتى يصل إلى مرحلة الإنكار الكامل لأي نقص. وعند هذه النقطة، يصبح العلاج صعبًا، لأن أول الطريق هو الاعتراف، ومن يرى نفسه كاملًا، كيف يعترف؟

إن التوازن هو مفتاح النجاة. أن يعرف الإنسان قدر نفسه دون مبالغة أو انتقاص، وأن يدرك أن الكمال لله وحده، وأن كل إنجاز مهما بلغ، يبقى قابلًا للتطوير. فالعظمة الحقيقية لا تُقاس بحجم الصورة التي يرسمها الإنسان لنفسه، بل بعمق أثره في الآخرين، وبقدر ما يتركه من احترام وتقدير في القلوب.

في النهاية، ليس الخطأ أن تطمح إلى القمة، بل الخطأ أن تظن أنك القمة. فكلما ازداد الإنسان وعيًا، ازداد تواضعًا، وكلما اقترب من الحقيقة، ابتعد عن الوهم. والعظيم حقًا… هو من يرى في تواضعه رفعة، وفي إنسانيته كمالًا.
التعليقات