×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

حاشية وفراغ كبير

حاشية وفراغ كبير
بقلم/ سلافة سمباوه 

في علم النفس، لا يُقاس نضج الإنسان بعدد من يحيطون به، بل بقدرته على البقاء صادقًا مع ذاته عندما يختفي التصفيق؛ هناك نمط نفسي شائع لشخص يملأ محيطه بالناس، وبالعلاقات، وبالحاشية، لكنه في الداخل يعيش فراغًا عميقًا لا يجرؤ على مواجهته، فيستعيض عنه بضجيج اجتماعي دائم.

هذا النمط لا يُدمن العلاقات لأنه محب، بل لأنه عاجز عن الجلوس مع نفسه؛ كل علاقة جديدة تمنحه جرعة مؤقتة من الإحساس بالقيمة، وكل إعجاب جديد يُسكّن خوفًا قديمًا من عدم الكفاية؛ لكنه ما إن يقترب أحد منه بصدق، أو يطالبه بثبات أو وضوح، حتى يبدأ بالانسحاب، لأن العلاقة الحقيقية تكشف ما يحاول إخفاءه: هشاشة داخلية غير معالجة.

من منظور علم النفس، يعتمد هذا السلوك على ما يُسمّى "الإمداد الخارجي"، أي بناء تقدير الذات من خلال نظرة الآخرين، لا من الداخل؛ لذلك نرى هذا الشخص يحرص على صورته، ويكثر الحديث عن القيم، والكرم، والنية الطيبة، بينما يعجز عن ممارسة هذه المعاني حين تتطلب التزامًا فعليًا أو عطاءً صادقًا؛ القيم هنا تُقال أكثر مما تُعاش، والحضور اجتماعي، لكن المشاعر الحقيقية شحيحة.

إحدى أخطر سمات هذا النمط النفسي هي قلب الأدوار. فعندما يُواجَه بتناقضه أو تقصيره، لا يعترف ولا يراجع نفسه، بل يلجأ إلى اتهام الآخرين. الطرف الآخر يصبح سيئًا، متطلبًا، أو جاحدًا؛ الجميع مخطئون، وهو دائمًا في موقع الضحية الطيبة. هذا السلوك يُعرف نفسيًا بالإسقاط، وهو آلية دفاعية يلجأ إليها الفرد لحماية صورته من الانهيار، ولو كان الثمن إيذاء من حوله.

ورغم كثرة الحديث عن القيم، إلا أن هذا النمط غالبًا بخيل عاطفيًا؛ لا يعرف العطاء الذي يحتاج حضورًا، ووقتًا، ومسؤولية؛ يعطي حين يكون العطاء وسيلة للإعجاب أو القبول، ويتراجع حين يصبح واجبًا أخلاقيًا؛ الحب هنا فكرة جميلة تُقال، لا تجربة تُبنى وتُصان.

جذر هذا النمط يعود في الغالب إلى الطفولة والنشأة؛ بيئات تخلط بين القيمة والمظهر، وبين القبول الاجتماعي والصدق النفسي، وتشجّع الصورة أكثر من الجوهر. ينشأ الفرد وهو يتعلم كيف يبدو جيدًا، لا كيف يكون حقيقيًا؛ ومع غياب الوعي النفسي، تستمر هذه الأنماط إلى سن الرشد، فتتحول العلاقات إلى مسرح، لا مساحة أمان.

الحل، من منظور علم النفس، لا يكمن في تغيير الشركاء، ولا في توسيع الدوائر الاجتماعية، بل في مواجهة الذات: الاعتراف بالفراغ، وبالخوف من الالتزام، وبالعجز عن العطاء الصادق؛ هذا النمط لا يحتاج علاقة جديدة، بل يحتاج وعيًا ذاتيًا يعيد بناء تقدير الذات من الداخل، لا من تصفيق الخارج.

أما الطرف الآخر في العلاقة، فمسؤوليته لا تقل أهمية. تبرير هذا السلوك، أو انتظار تغيّر لا يأتي، هو مشاركة غير واعية في دائرة الاستنزاف؛ الصحة النفسية تبدأ عندما نُميّز بين من يتحدث عن القيم ومن يعيشها، وبين من يملأ المكان ومن يملأ القلب.

في النهاية، ليست كثرة العلاقات دليل حياة، ولا كثرة الحاشية دليل قيمة. أحيانًا يكون الضجيج كله محاولة لإخفاء فراغ واحد كبير، والوعي الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن الانبهار بالمشهد، وننظر بصدق إلى ما وراءه.
التعليقات