×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

محمد آل مشول.. وجهٌ لم يتغير ووفاءٌ لا يغيب

محمد آل مشول.. وجهٌ لم يتغير ووفاءٌ لا يغيب
بقلم : عامر آل عامر 
ثمة لقاءات تهبط على الروح كنسمة لطيفة تزيح عن القلب غبار الأيام.
وتعيد للأيام وهجها القديم، وتوقظ في الإنسان ما أخفته الذاكرة طويلًا.
وهكذا كان لقائي اليوم بصديقي الغالي محمد آل مشول، لقاءٌ أعاد ترتيب المشاعر، وأضاء في داخلي ما يشبه بدايات العمر.

خمسة وعشرون عامًا مضت.
سنواتٌ كثيرة تفرّقت فيها دروبنا، لكنها لم تستطع أن تمحو أثر الأخوّة التي جمعتنا يومًا في المنطقة الشرقية، تلك الأخوّة التي نُسجت بخيوط المودة، وصُقلت بالتقدير، وتعمّدت بالمواقف التي وقفتْ فيها القلوب قبل الخطوات.

كنا شبابًا نمشي بثقة القلب أكثر من ثقة التجربة.
نضحك على التفاصيل الصغيرة، نحمل أحلامنا بعناد جميل، ونجد في بعضنا سندًا يشبه الطمأنينة الأولى.

وفي تلك الأيام، كان محمد آل مشول أحد الذين تُضيء بهم الطرق، ويكبر بهم الشعور، وتستقيم بهم اللحظات.
ومع امتداد الزمن، أخذ كلٌّ منا طريقه، ورحلته، وميدانه، لكن شيئًا واحدًا لم يتغيّر.
مكانته في القلب بقيت كما هي، ثابتة لا تهتز، كجبل من جبال الذاكرة لا تنال منه الرياح.

وحين استقر لاحقًا في المنطقة الغربية، ظل وفيًا للعشرة، حاضرًا بروحه، قريبًا من القلب مهما ابتعدت المسافات.
حين تباعدت الدروب، وابتعدت المسافات بيننا، اكتشفت أن بعض الصداقات لا تقاس بكم اللقاءات، بل بصدق المشاعر التي تحيا رغم الغياب.

صديق الغربة هو من يبقى حاضرًا في قلبك، يشاركك أفراحك وأحزانك من بعيد، ولا تتغير قيمته مهما اختلفت الأماكن.

إنها تجربة تعلمك أن الوفاء الحقيقي لا يبهت، وأن من يثبت على المحبة رغم بعد الزمان والمكان، هو من يستحق لقب الصديق الذي لا يزول أثره.

وحين طرق بابي اليوم في محافظة رجال ألمع، أدركت أن بعض الزيارات لا تُقاس بالوقت، بل تُقاس بالقلوب التي تحملها.
كانت زيارته غيمة بيضاء مرت على سهل القلب، بلطف، وصدق، وحنين يشبه العودة إلى الذات.

أبو فارس رجل يعرف كيف يكرّم الوجوه التي عبرت حياته.
يعرف كيف يُعيد للإنسان إحساسه بالامتنان، وكيف يؤكد أن الدنيا ما زالت تُنجب أوفياء لا تغيّرهم الأيام، ولا تبهت محبتهم مهما طال الفراق.
جلسنا نستعيد ما كدنا ننساه.
نضحك على تفاصيل لا تزال خفيفة في الروح، ونسترجع مواقف صاغت شيئًا من شخصياتنا، وربما تركت أثرًا في كثير من قراراتنا اليوم.
شعرت حينها أن الزمن عاد خطوة إلى الخلف، وأن اللحظة استعادت رائحتها الأولى، وأن اللقاء كان مصالحة جميلة مع سنوات مضت دون أن تغادر القلب.
فلقاء كهذا ليس اجتماعًا بين صديقين فرّقتهما الحياة، بل هو احتفال صامت بالعشرة، وتأكيدٌ أن الصداقة الحقيقية لا تذوب، ولا تنكسر، ولا يطويها النسيان.
هي قوةٌ تبقى، وامتدادٌ يعبر الزمن، وعمقٌ لا تحدّه المسافات.

تأملت ملامح صديقي محمد آل مشول، فوجدت أن الزمن لم يغيّره، بل منحه وقارًا، وزاده حكمة، وزاده ذلك النقاء الذي ألفناه منذ سنوات طويلة.
رجل لا يتكلّف في محبته، ولا يتردد في فعله للخير، ولا يتأخر عن أهل الود مهما تباعدت الطرق.
وكم هو جميل أن يجد الإنسان من يبادله الوفاء بوفاء، ومن يمنحه من قلبه مساحة لا يزاحمه عليها أحد.

وختامًا، سيبقى هذا اللقاء علامة من علامات العمر.
ذكرى تُصافح أجمل اللحظات التي يعتز بها الإنسان، وزيارةً لها في القلب تقدير كبير، لأنها لم تكن مرورًا عابرًا، بل كانت تجسيدًا لمعنى الوفاء، ودليلًا على أن الصداقة الصادقة تبقى نقية مهما طال عليها الزمن، وتكشف الغربة معدن من يستحق أن يُسمّى صديقًا حقيقيًا.
التعليقات