×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

القيمة لا تحتاج إلى تصفيق

القيمة لا تحتاج إلى تصفيق
بقلم: موضي عوده العمراني 

في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، بات الصوت العالي يُحسب حضورًا، والتقدّم الصفّي يُعدّ إنجازًا، وكأن القيمة لا تُقاس إلا بمدى الظهور؛ لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير؛ فليس كل من تصدّر المشهد، يستحقه، ولا كل من أكثر الكلام امتلك المعنى.

لا تُقلّل من قيمة الآخرين لتصنع لنفسك مكانًا في المقدّمة؛ فالمكانة الحقيقية لا تُنتزع بإقصاء غيرك، ولا تُبنى على تسفيه الجهود، ولا على إلغاء العقول؛ من يفعل ذلك قد يلفت الانتباه لحظة، لكنه يفقد الاحترام طويلًا؛ وربما كان ضجيجه، مهما بدا صاخبًا، مجرد مهزلة مؤقتة.

في المقابل، هناك من اختار الصمت لا عجزًا، بل وعيًا؛ صمتٌ لا يعني الغياب، بل يعني الامتلاء؛ صمتٌ يشبه الوقار؛ ثابت، راسخ، لا يحتاج إلى إثبات ذاته كل حين؛ فبعض القيم لا تُعلن عن نفسها، بل تُكتشف مع الوقت.

ليس هكذا تُورد الإبل، وليس هكذا تُدار المواقف، ولا تُصنع القرارات؛ فالحكمة لا تسير مع القطيع، ولا تركض خلف التصفيق، ولا تلهث وراء رضا الجميع؛ من يُجيد قول “نعم” في كل موضع، يفقد قيمة “لا” حين تكون واجبة، ومن يُرضي الجميع غالبًا ما يخسر نفسه أولًا.

نحن لسنا إمّعة نردّد ما يُقال، ولا صدىً لأصوات الآخرين. لنا رأينا، وموقفنا، وحدودنا؛ نعرف متى نتقدّم، ومتى نبتعد، ومتى يكون الصمت أبلغ من ألف كلمة. فالكلام مسؤولية، والمواقف امتحان، وليس كل ما يُقال يجب أن يُتبع، ولا كل ما يُعرض يستحق القبول.

نحن من نصنع الأثر بهدوء؛ نعمل بعيدًا عن الأضواء، نراكم الجهد، ونؤمن أن النتائج الصادقة تحتاج وقتًا لتنضج؛ لا نبحث عن التصفيق السريع، ولا نُجيد فنّ التلميع، لأن ما يُلمّع سريعًا يخبو سريعًا، وما يُبنى بصدق يبقى.

وحين يظهر أثرنا، لا يأتي مشوّهًا ولا منقوصًا، بل يظهر كاملًا، واضح المعالم، ثابت الأثر؛ يظهر لأنه حقيقي، لا لأنه صاخب؛ لأنه له جذور، لا لأنه عابر.

في النهاية، الفرق شاسع بين من يرفع صوته ليُرى، ومن يرفع قيمته ليبقى؛ وبين ضجيجٍ يملأ المكان لحظة، وصمتٍ يملأ المعنى زمنًا طويلًا.
التعليقات