الصورة الأجمل لنفسي

حين يُصبحُ الشّغَفُ اختِباراً خلف بريق الإعلام الساحر، وعدسات الكاميرات التي توثق اللحظات، توجد عتمة لا يراها أحد.
يكتفي الناس بالصورة البهية، بالتغطية المتقنة، وبالاسم الذي يتردد صداه، لكنهم لا يبصرون كواليس التعب، ولا الساعات التي تلتهم أعمارنا، ولا ذلك القلق المكتوم، ولا تلك الليالي التي نعود فيها أدراجنا لنسأل أنفسنا بصدق موجع:
هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟
في دروب هذه المهنة، أدركت أن النجاح ضيف لا يأتي وحيداً.
فمع كل خطوة نخطوها نحو الضوء، نجد أرواحاً تحتفي بنا بصدق، تصفق لنا وكأن إنجازنا هو إنجازها، وهؤلاء نقف لهم إجلالاً وتخليداً في الذاكرة.
وفي المقابل، نتعثر بوجوه أخرى؛ وجوه ترتدي ابتسامات باهتة تخفي خلفها نوايا لا يعلمها إلا الله.
اقترابهم تباينت أسبابه؛ فمنهم من تدفعه المحبة، ومنهم من تحركه المصلحة، ومنهم من يقف في محيطك فقط ليرصد خطواتك ويحصي أنفاس نجاحك.
وهنا، تلقنت درساً أعمق من كل ما يمكن أن تلقنني إياه دورات الإعلام أو عدسات التصوير.
ليس كل من يقف في صفك يسير في دربك، وليس كل من يصفق لنجاحك يتمنى حقاً وصولك.
رغم ذلك، عاهدت نفسي ألا أسمح لمرارة هذه المواقف أن تلوث نقاء شغفي.
دخلت هذا الميدان لأصنع أثراً أحبه، لا لأخوض معارك لا طائل منها.
لم تستهوني يوماً فكرة إزاحة أحد من مكانه، ولم ألهث لأكون أفضل من غيري؛ كان خصمي الوحيد هو "أنا" الأمس، وكان طموحي أن أتفوق عليها اليوم.
كنت أطمح لعدسة أعمق، وقلم أنضج، وتغطية تليق بالحدث، وأن أترك خلفي اسماً مقترناً بالاحترام.
لكن الحقيقة التي لا مفر منها، هي أن الإنسان مهما بلغ من الصلابة، تدركه لحظات الإنهاك.
ومهما بلغ حبه لشيء ما، قد يئن قلبه رافضاً المزيد.
تجرعت مرارة الخذلان، ومررت بمواقف أجبرتني على إعادة صياغة قناعاتي.
سقف توقعاتي كان عالياً ببعض الأشخاص، فارتطم بواقعهم الهش.
وما كان يدمي القلب حقاً، ليس قسوة الموقف ذاته، بل هويّة من صنعه؛ فالطعنة التي تأتي من بعيد بالكاد تخدش، أما تلك التي تأتيك ممن أسكنتهم مساحات ثقتك، فإنها تترك ندبة غائرة لا تمحوها الأيام.
مع مرور الوقت، تدثرت بالهدوء. كففت عن النبش في أسباب تغير فلان، أو ابتعاد علان، أو امتعاض البعض من نجاحي. تعلمت أن أدع الخلق للخالق، وأن أحتفظ لنفسي بيقين واحد فقط، أن أبقى وفية لصدقي ولما أقدمه.
فأنا أحفظ بداياتي جيداً، وأعرف ثمن التعب الذي دفعته.
أذكر تلك الأيام التي حملت فيها كاميرتي وأنا أجرجر أذيال الإرهاق، وتلك الليالي التي سهرت فيها لأصقل خبراً أو أحرر مقطعاً ليخرج بما يليق باحترامي لنفسي وللجمهور.
قد يبدو الأمر للناظرين مجرد مهنة، لكنه كان بالنسبة لي قطعة من روحي أبثها في كل عمل.
ولأنني لم أعمل بعقلي فحسب، بل سكبت قلبي في كل تفصيلة، كان الألم مضاعفاً.. وكان الجمال مضاعفاً أيضاً.
فمن يعمل بقلبه يهب الكثير، لكنه في المقابل، يتألم أكثر.
اليوم، وبعد كل هذا المخاض، لست نادمة قط على اقتحام هذا العالم.
بل لو دارت عجلة الزمن، لاخترته مجدداً، ولكن... بـ "شخصية" أخرى.
الشخصية التي تُدرك متى تمنح ولمن تمنح.
لقد استوعبت أن النجاح أبلغ من أن يُشرح للمشككين.
أيقنت أن بعض المعارك أصغر من أن نُهدر فيها سلامنا الداخلي.
وتعلمت كيف أعشق مهنتي دون أن أسمح لها بأن تستهلكني.
لقد علمني الإعلام كيف أضبط زوايا الكاميرا، لكنه منحني البصيرة لأرى زوايا البشر المخفية.
علمني صياغة الأخبار، فأصبحت أقرأ ما بين سطور المواقف.
دفعني للغوص في تفاصيل الأحداث، فاكتشفت خبايا نفسي والآخرين.
والأهم من ذلك كله، أيقنت أن الاسم الذي نُحت بصبر السنين وعرق الجبين، لا تزلزله عاصفة عابرة أو شخص عابر.
عرفني الناس عبر ومضة كاميرا، وتغطية حدث، وحرف نابض، وعمل قدمته بصمت ليصرخ بالنيابة عني: "هذه أنا".
قد تضيق بي السبل اليوم، وقد أحتاج إلى الانزواء قليلاً لألتقط أنفاسي، وأعيد ترتيب أوراقي بعيداً عن صخب الفلاشات وضجيج الأخبار.
لكن الغياب لا يعني اضمحلال الحب؛ فهناك أشياء إن استوطنت الروح، استعصى عليها الرحيل، والإعلام هو واحد من تلك الأشياء.
قد يرهقني..
قد يستفزني..
وقد أهمس في لحظة انكسار: "لقد اكتفيت".
لكن ما إن تلوح في الأفق صورة تستحق الخلود، أو قصة تنتظر من يرويها، حتى ينتفض مارد الشغف بداخلي من جديد.
لأدرك حينها أن الأمر تجاوز حدود الهواية، ليصبح هوساً لذيذاً شكل ملامح كياني.
ومهما خبأ لي الغيب، سأبقى ممتنة لكل محطة في هذه الرحلة؛ لجميلها وقاسيها:
فالجمال أهداني ذكريات.
والقسوة منحتني خبرة.
والنجاح توّجني بالثقة.
والخذلان سلحني بالوعي.
أما الإعلام.. فقد أهداني أثمن فرصة: فرصة اللقاء بذاتي.
ومن بين آلاف الوجوه التي وثقتها عدستي، تبقى أجمل صورة حمضها لي الإعلام، هي تلك التي رأيت فيها نفسي:
" أنا" كإمرأة نسجت اسمها بخيوط الشغف، وعدسة الكاميرا، وصدق الكلمة، ولم تسمح لأي ظرف أن يطمس حكاية حفرتها بيديها.
يكتفي الناس بالصورة البهية، بالتغطية المتقنة، وبالاسم الذي يتردد صداه، لكنهم لا يبصرون كواليس التعب، ولا الساعات التي تلتهم أعمارنا، ولا ذلك القلق المكتوم، ولا تلك الليالي التي نعود فيها أدراجنا لنسأل أنفسنا بصدق موجع:
هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟
في دروب هذه المهنة، أدركت أن النجاح ضيف لا يأتي وحيداً.
فمع كل خطوة نخطوها نحو الضوء، نجد أرواحاً تحتفي بنا بصدق، تصفق لنا وكأن إنجازنا هو إنجازها، وهؤلاء نقف لهم إجلالاً وتخليداً في الذاكرة.
وفي المقابل، نتعثر بوجوه أخرى؛ وجوه ترتدي ابتسامات باهتة تخفي خلفها نوايا لا يعلمها إلا الله.
اقترابهم تباينت أسبابه؛ فمنهم من تدفعه المحبة، ومنهم من تحركه المصلحة، ومنهم من يقف في محيطك فقط ليرصد خطواتك ويحصي أنفاس نجاحك.
وهنا، تلقنت درساً أعمق من كل ما يمكن أن تلقنني إياه دورات الإعلام أو عدسات التصوير.
ليس كل من يقف في صفك يسير في دربك، وليس كل من يصفق لنجاحك يتمنى حقاً وصولك.
رغم ذلك، عاهدت نفسي ألا أسمح لمرارة هذه المواقف أن تلوث نقاء شغفي.
دخلت هذا الميدان لأصنع أثراً أحبه، لا لأخوض معارك لا طائل منها.
لم تستهوني يوماً فكرة إزاحة أحد من مكانه، ولم ألهث لأكون أفضل من غيري؛ كان خصمي الوحيد هو "أنا" الأمس، وكان طموحي أن أتفوق عليها اليوم.
كنت أطمح لعدسة أعمق، وقلم أنضج، وتغطية تليق بالحدث، وأن أترك خلفي اسماً مقترناً بالاحترام.
لكن الحقيقة التي لا مفر منها، هي أن الإنسان مهما بلغ من الصلابة، تدركه لحظات الإنهاك.
ومهما بلغ حبه لشيء ما، قد يئن قلبه رافضاً المزيد.
تجرعت مرارة الخذلان، ومررت بمواقف أجبرتني على إعادة صياغة قناعاتي.
سقف توقعاتي كان عالياً ببعض الأشخاص، فارتطم بواقعهم الهش.
وما كان يدمي القلب حقاً، ليس قسوة الموقف ذاته، بل هويّة من صنعه؛ فالطعنة التي تأتي من بعيد بالكاد تخدش، أما تلك التي تأتيك ممن أسكنتهم مساحات ثقتك، فإنها تترك ندبة غائرة لا تمحوها الأيام.
مع مرور الوقت، تدثرت بالهدوء. كففت عن النبش في أسباب تغير فلان، أو ابتعاد علان، أو امتعاض البعض من نجاحي. تعلمت أن أدع الخلق للخالق، وأن أحتفظ لنفسي بيقين واحد فقط، أن أبقى وفية لصدقي ولما أقدمه.
فأنا أحفظ بداياتي جيداً، وأعرف ثمن التعب الذي دفعته.
أذكر تلك الأيام التي حملت فيها كاميرتي وأنا أجرجر أذيال الإرهاق، وتلك الليالي التي سهرت فيها لأصقل خبراً أو أحرر مقطعاً ليخرج بما يليق باحترامي لنفسي وللجمهور.
قد يبدو الأمر للناظرين مجرد مهنة، لكنه كان بالنسبة لي قطعة من روحي أبثها في كل عمل.
ولأنني لم أعمل بعقلي فحسب، بل سكبت قلبي في كل تفصيلة، كان الألم مضاعفاً.. وكان الجمال مضاعفاً أيضاً.
فمن يعمل بقلبه يهب الكثير، لكنه في المقابل، يتألم أكثر.
اليوم، وبعد كل هذا المخاض، لست نادمة قط على اقتحام هذا العالم.
بل لو دارت عجلة الزمن، لاخترته مجدداً، ولكن... بـ "شخصية" أخرى.
الشخصية التي تُدرك متى تمنح ولمن تمنح.
لقد استوعبت أن النجاح أبلغ من أن يُشرح للمشككين.
أيقنت أن بعض المعارك أصغر من أن نُهدر فيها سلامنا الداخلي.
وتعلمت كيف أعشق مهنتي دون أن أسمح لها بأن تستهلكني.
لقد علمني الإعلام كيف أضبط زوايا الكاميرا، لكنه منحني البصيرة لأرى زوايا البشر المخفية.
علمني صياغة الأخبار، فأصبحت أقرأ ما بين سطور المواقف.
دفعني للغوص في تفاصيل الأحداث، فاكتشفت خبايا نفسي والآخرين.
والأهم من ذلك كله، أيقنت أن الاسم الذي نُحت بصبر السنين وعرق الجبين، لا تزلزله عاصفة عابرة أو شخص عابر.
عرفني الناس عبر ومضة كاميرا، وتغطية حدث، وحرف نابض، وعمل قدمته بصمت ليصرخ بالنيابة عني: "هذه أنا".
قد تضيق بي السبل اليوم، وقد أحتاج إلى الانزواء قليلاً لألتقط أنفاسي، وأعيد ترتيب أوراقي بعيداً عن صخب الفلاشات وضجيج الأخبار.
لكن الغياب لا يعني اضمحلال الحب؛ فهناك أشياء إن استوطنت الروح، استعصى عليها الرحيل، والإعلام هو واحد من تلك الأشياء.
قد يرهقني..
قد يستفزني..
وقد أهمس في لحظة انكسار: "لقد اكتفيت".
لكن ما إن تلوح في الأفق صورة تستحق الخلود، أو قصة تنتظر من يرويها، حتى ينتفض مارد الشغف بداخلي من جديد.
لأدرك حينها أن الأمر تجاوز حدود الهواية، ليصبح هوساً لذيذاً شكل ملامح كياني.
ومهما خبأ لي الغيب، سأبقى ممتنة لكل محطة في هذه الرحلة؛ لجميلها وقاسيها:
فالجمال أهداني ذكريات.
والقسوة منحتني خبرة.
والنجاح توّجني بالثقة.
والخذلان سلحني بالوعي.
أما الإعلام.. فقد أهداني أثمن فرصة: فرصة اللقاء بذاتي.
ومن بين آلاف الوجوه التي وثقتها عدستي، تبقى أجمل صورة حمضها لي الإعلام، هي تلك التي رأيت فيها نفسي:
" أنا" كإمرأة نسجت اسمها بخيوط الشغف، وعدسة الكاميرا، وصدق الكلمة، ولم تسمح لأي ظرف أن يطمس حكاية حفرتها بيديها.