×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

من أجل هذه اللحظة البريئة.. أحسنوا الإختيار

من أجل هذه اللحظة البريئة.. أحسنوا الإختيار
بقلم / رشيد آل جلي 
في دروب الحياة المتشعبة، وبين إنشغال الإنسان بتأمين المستقبل المادي لأبنائه، قد يغفل أحياناً عن أعظم إستثمار يمكن أن يقدمه لهم؛ فليس أعظم ما نتركه لهم منزلاً فارهاً،ولا رصيداً مالياً، ولا ممتلكات تتوارثها الأجيال، بل أسرة متماسكة، وقلوباً متآلفة، وإخوة يجدون في بعضهم السند والأمان حين تتغير بهم الحياة.

تأملوا هذه اللحظة البريئة؛ طفلان يقفان جنباً إلى جنب، بملابسهما التقليدية الأنيقة، وفي أجواء تحمل عبق الماضي ودفئ المكان، يلف الأخ الصغير ذراعه بعفوية مليئة بالبرآءة حول كتف أخته.

قد تبدو الصورة عابرة، لكنها في حقيقتها تختصر معنى عظيماً ، بأن يجد الإنسان منذ طفولته من يقف إلى جواره، ومن يشعره بأنه ليس وحيداً في هذا العالم..

تلك اليد الصغيرة التي إستقرت على كتف أخته ليست مجرد حركة عفوية، بل رسالة صامتة تقول: أنا هنا.. ولن تمضي في الحياة وحدك.

إنها الأخوة حين تُبنى على المحبة، وتكبر معها الذكريات، والضحكات، والأسرار الصغيرة، والمواقف التي تبقى في الذاكرة مهما إمتد العمر.

أنت لا تختار شريكاً فقط..!!

فعندما يفكر الإنسان في إختيار شريك حياته، قد ينظر إلى الأمر باعتباره قراراً يخص شخصين فقط، بينما الحقيقة أوسع وأعمق؛ فهذا القرار يرسم ملامح بيت كامل، وحياة إنسانية، وبيئة سيكبر فيها أبناء لم يختاروا ظروفهم المحيطة أبداً ، لكنهم سيتأثرون بها طوال حياتهم.

لذلك، أنت لاتختار شريكاً لرحلةٍ عابرة، بل تختار لأبنائك أماً أو أباً وتختار لهم البيئة التي ستتكون فيها شخصياتهم، وتتأسس فيها مفاهيمهم عن الحب والأمان والرحمة والمسؤولية.ولإنتماء

فأرجوكم أحسنو الإختيار.

و إختاروا الإنسان الذي يعرف معنى المسؤولية، ويقدّر الأسرة، ويحفظ العشرة، ويتعامل مع الخلاف بعقل وحكمة،ويجعل من بيته موطناً للأمان لا ساحة للصراع.

الإخوة.. سند العمر

أحسنوا الاختيار من أجل إبنتكم، لتجد في أخيها سنداً لها حين تشتد عليها الأيام، وتجد في وجوده شعوراً بأنها محاطة بمن يحبها ويحميها ويقف إلى جانبها.

وأحسنوا الاختيار من أجل إبنكم، ليجد أخاً أو أختاً يشاركونه مواقف و ذكريات الطفولة، ويقاسمونه أفراح الحياة وأحزانها، ويكونو له عضداً حين يحتاج إلى من يفهمه دون كثير من الكلام.

فالأخوة ليست مجرد صلة دم، بل علاقة تتشكل تفاصيلها الأولى داخل بيت الأسرة ، ويغرس الوالدان جذورها منذ سنوات الطفولة المبكرة

وحين يكون البيت قائماً على المودة والرحمة والاحترام، وتحمل المسئولية ،يصبح الأبناء أكثر قدرة على أن يحمل بعضهم بعضاً ، وأن يبقى بينهم ذلك الخيط الجميل الذي لا تقطعه سنوات العمر.والعيش أصحاء نفسياً وعاطفياً

وحين يتصدع البيت..!!

قد يكون الإنفصال في بعض الحالات ضرورة لا مفر منها، وليس من العدل إختزال جميع حالات الانفصال في صورة واحدة، لكن ما يجب أن ندركه هو أن الأطفال غالباً ما يتأثرون بالصراعات الأسرية، خصوصًا عندما يتحول الخلاف بين الوالدين إلى صراع مستمر يصل إلى أبنائهم.

فالطفل لا يفهم دائماً حسابات الكبار وتعقيداتها؛ هو فقط يشعر بأن عالمه الذي إعتاد عليه قد تغير، وأن الأمان الذي كان يحيط به لم يعد كما كان...؟!

ولهذا، فإن مسؤولية الوالدين لا تنتهي عند لحظة الخلاف، بل تبدأ مسؤولية أكبر: كيف نحمي أبناءنا من أن يكونوا ضحايا لصراع الكبار؟

ليس المطلوب أن يعيش الأبوان تحت سقف واحد مهما كانت الظروف، وإنما المطلوب ألا يتحول الأبناء إلى أدوات للخلاف، أو رسل للمشكلات، أو شهود دائمين على الخصومة.

فحسن الإختيار... مسؤولية قبل أن يكون قراراً

وهذا لا يعني البحث عن الكمال، فلا يوجد إنسان كامل، وإنما يعني البحث عن النضج، والخلق، والرحمة، والقدرة على تحمل المسؤولية، والإستعداد لبناء بيت يقوم على التفاهم والاحترام.

فالأم الصالحة ليست فقط من تحسن رعاية أبنائها، بل من تعرف قيمة بيتها وتحفظ خصوصيته،وتكون سكناً وقراراً لزوجها وأطفاها ، والأب الصالح ليس فقط من يوفر إحتياجات أسرته، بل من يمنح زوجته وأبنائه الأمان والاحتواء، ويعرف كيف يكون قدوة لهم في أوقات الرخاء والشدة.

وعندما يقع الخلاف، يحتاج البيت إلى من يسعى للإصلاح لا إلى من يؤجج الخلاف.
لذلك، لا تسمحوا أبداً لأي شخص كان أن يتدخل في حياتكم الأسرية ولو كان أقرب شخص لكم إلا بقصد الإصلاح فقط ، وأن يكون تدخله قائماً على الحكمة والعدل، لا على نقل الكلام، أو زيادة الشقاق، أو توسيع دائرة الخلاف.

فالمصلح الحقيقي لا يفرّق بين القلوب، بل يسعى إلى ترميم ما إنكسر منها، وإعادة الهدوء إلى المكان الذي غادرته الطمأنينة.

فمن أجل هذه اللحظة.. أحسنوا الإختيار

فالأيام تمضي، والأطفال يكبرون، والبيوت تتغير، والممتلكات قد تذهب، لكن ما يُغرس في قلوب الأبناء في سنواتهم الأولى يبقى معهم طويلاً

قد لا يتذكر الطفل كم أنفق والداه على منزله، لكنه سيتذكر من إحتضنه عندما خاف، ومن وقف إلى جواره عندما حزن، ومن جعل بيته مكاناً يشعر فيه بالأمان والإستقرار..

وقد لا يتذكر تفاصيل كثيرة من طفولته، لكنه سيحمل معه إلى آخر العمر تلك اللحظات الصغيرة التي جمعته بإخوته ، وضحكاتهم ، وألعابهم، ومواقف طفولتهم البريئة، وإحتضان بعضهم البعض ،وتذكرون الأيادي الحانية التي التفّت حول أكتافهم وقالت دون كلمات: "نحن معكم، وأنتم باقون وستبقون
تحت أنظارنا وقلوبنا وأجسادنا ترعاكم،
من أجل هذه اللحظة البريئة، ومن أجل أبناء لم يأتوا إلى الحياة ليكونوا ضحايا لإختيارات خاطئة ، وإختاروا بعقولكم قبل قلوبكم، وابنوا بيوتكم على المودة والرحمة والإحترام.

فأنتم لا تختارون شريك حياة فحسب...

بل تختارون لأبنائكم جذورهم، وملامح طفولتهم، وذكرياتهم، وربما جزء كبيراً من نظرتهم إلى الحياة في مستقبل أيامهم.
التعليقات