×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الستوري ليست ساحة معركة

الستوري ليست ساحة معركة
بقلم : عامر آل عامر 
في زمنٍ أصبحت فيه "الحالة" نافذةً مفتوحة على العالم، ينسى كثيرون أن ما يُنشر لا يطرق بابًا واحدًا، بل يدخل بيوتًا كثيرة، ويعبر قلوبًا لا نعرف ما الذي تُخفيه من وجع، ولا أيّ جرحٍ قد توقظه عبارة عابرة.

الستوري لا تدوم أكثر من أربعٍ وعشرين ساعة، لكن أثرها قد يبقى أعوامًا. قد تُمحى الصورة بضغطة زر، بينما تبقى الذكرى محفورة في قلب إنسانٍ ظنّ أن الرسالة كُتبت لأجله، وربما كانت كذلك.

أقسى أنواع الحديث ليس ما يُقال بصوتٍ مرتفع، بل ما يُقال بطريقةٍ تجعل الجميع يفهم المقصود، إلا أن أحدًا لا يستطيع الاعتراض. إنها الكلمات التي ترتدي ثوب الحكمة، بينما تُخفي في داخلها رغبةً في الانتقام، أو تصفية الحساب، أو لفت الانتباه.

الإنسان الراقي لا يجعل منصاته ساحات معارك، ولا يحوّل متابعيه إلى شهودٍ على خلافاته، لأن الكرامة لا تحتاج جمهورًا، والحق لا يزداد قوةً بكثرة المشاهدات.

ليس كل ما تشعر به يستحق أن يُنشر، وليس كل ما تعرفه يستحق أن يُقال. فهناك مشاعر تنضج بالصمت، وخلافات تُدفن بالعقل، وقلوب تُجبرها كلمة طيبة أكثر مما تكسرها ألف رسالة مبطنة.

اجعل حسابك أثرًا جميلًا إذا غبت، ومكتبةً للنور إذا حضرت. انشر فكرةً تُلهم، أو علمًا يُنتفع به، أو دعاءً يفتح باب أمل، أو كلمةً تُعيد إلى إنسانٍ ثقته بنفسه. فما يخرج منك اليوم، قد يكون غدًا شاهدًا لك أو عليك.

وفي النهاية... لن يسأل الناس بعد سنوات كم قصةً نشرت، ولا كم مشاهدةً حققت، لكن الله يعلم كم قلبًا جبرته بكلمة، وكم نفسًا آذيتها بعبارة.

فاحرص أن يكون حضورك في العالم الرقمي امتدادًا لأخلاقك، لا استثناءً منها؛ فالأثر الصالح أطول عمرًا من أي منشور، وأبقى من أي شهرة.
التعليقات