×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

السينما السعودية وصناعة الأثر.. مَن يملك زمام السردية الوطنية

السينما السعودية وصناعة الأثر.. مَن يملك زمام السردية الوطنية
بقلم / ذكرى الشبيلي 
في كل مرة نترقب فيها مهرجان أفلام السعودية، ندرك تمامًا أننا لا ننتظر حدثًا عابرًا يملأ أجندة الأيام، ولا صالاتٍ مظلمة تعرض قصصًا مضت؛ نحن نلمس حكاية نضجٍ مغايرة تكبر معنا دورةً بعد دورة. واليوم، ونحن نقف في محطته الثانية عشرة، يتأكد لنا أن المهرجان تحول إلى ما يشبه المختبر الحي؛ مكانٍ تُصنع فيه السينما ويُخلق فيه الوعي، وتُفكك تحت مجهره بنية صناعتنا المحلية، رصدًا لجمالياتها وتحليلًا لعمق أفكارها.

وفي هذه النسخة تحديدًا، تتجلى ملامح نضج استثنائي يتجاوز بريق السجادة الحمراء إلى عمق الحراك المعرفي والتمكين الاستراتيجي؛ ليطرح علينا كمهتمين تساؤلًا جوهريًا: أين تقف السينما السعودية اليوم بين وهج التقنية وعمق الفكرة؟

إن المتابع للشغف الجماهيري والنخبوي في هذه الدورة يلمس تحولًا لافتًا في سلوك المتلقي، وهو ما يتقاطع مع ما رصده الأستاذ أحمد العياد حول هذا التفاعل غير المسبوق في الفعاليات المصاحبة والندوات الحوارية. هذا الحوار المتدفق يبرهن على تشكل ثقافة سينمائية واعية تتجاوز مجرد المشاهدة إلى تفكيك عناصر الفيلم؛ مما يجعلنا نتفق مع مقترحه التطويري بأهمية التوثيق الرقمي المستدام لهذه الجلسات لتظل إرثًا معرفيًا متاحًا للجميع.

وعلى صعيد القراءة الجمالية للأعمال، ثمة طفرة بصرية مشهودة في تجويد عناصر الفيلم وبناء سيناريوهات رصينة تحترم الحبكة المنطقية، مدعومة بتوظيف مذهل للإضاءة والملابس ومواقع التصوير الحية التي تشبه واقعنا المعيش. غير أن هذا التطور المتسارع يضعنا أمام مفارقة تراجع الموسيقى التصويرية، وهو ما التفت إليه بدقة الناقد خالد ربيع السيد حينما انتقد وقوع بعض الأفلام الطويلة في فخ «الآلية والجمود المصطنع» نتيجة التأثر المفرط بالموسيقى الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مستثنيًا تجارب واعية انتبهت مبكرًا للمزاوجة الصوتية والبصرية، كفيلم «مسألة حياة أو موت» لأنس باطهف، و«هجرة» لشهد أمين.

وفي المقابل، يقودنا تفكيك المضامين إلى مواجهة حقيقية مع مستوى النضج الفكري؛ إذ يبدو بوضوح أن التطور الحالي ينصب على التنفيذ التقني والجمالي بالإجمال، بينما ما زالت الأفكار المطروحة بحاجة إلى قفزات مغايرة ومعالجات درامية أكثر عمقًا. وهنا تبرز قراءة الناقد فهد الأسطا لتضع الإصبع على الجرح؛ فالأفلام القصيرة تحديدًا ما زالت تواجه فجوة واضحة في محاكاة الواقع الاجتماعي وتطلعات المجتمع بدقة، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى حاجتنا لتجارب سينمائية أكثر غزارة لتصل بالصناعة إلى المستوى المأمول من العمق الفكري.

لكن القيمة الحقيقية للمهرجان تتجاوز حدود الشاشة لتصل إلى أبعاده الاستراتيجية؛ حيث يقدم نموذجًا تكامليًا ناجحًا بين القطاعات الثلاثة (الحكومي، والخاص، وغير الربحي) لتمكين الأفراد والمستقلين. والركيزة الأهم التي نلمس ثمارها اليوم -كما يشير المخرج عبد المحسن المطيري- هي قدرتنا كسينمائيين سعوديين على «التحكم بالسردية الوطنية»؛ فبدلًا من أن تُروى قصصنا وتفاصيل مجتمعنا عبر عدسات وقنوات عالمية، أصبحنا نحن من يملك زمام المبادرة لترسيخ هويتنا ونقل واقعنا للعالم بأنفسنا.

ختامًا، يبرهن سوق الإنتاج المصاحب للمهرجان على أن السينما السعودية تسير بخطى واثقة نحو العالمية، ليس عبر تبني قوالب جاهزة، بل من خلال نبش القصص المحلية الخالصة النابعة من قلب وعمق مناطقنا المتنوعة؛ من جازان والأحساء إلى الطائف وحائل. إن تمكين هذه الحكايا الخالصة وتأهيلها هو الرهان الحقيقي لتنافس السينما السعودية باقتدار على منصات السينما العالمية، حاملة وجه الوطن وملامحه الحقيقية.
التعليقات