×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

حين هاجرت العاطفة من الإنسان إلى الحيوان

حين هاجرت العاطفة من الإنسان إلى الحيوان
بقلم : عامر آل عامر 
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة، وتتزاحم فيه الماديات على حساب المشاعر، لم تعد الأزمة أن الإنسان فقد قدرته على الحب، بل أصبحت في أنه غيّر وجهة هذا الحب، وأعاد توزيع عاطفته بعيدًا عن مسارها الفطري.

ليست الحيوانات الأليفة هي المشكلة، فهي مخلوقات تستحق الرحمة والرفق، وقد حث الإسلام على الإحسان إليها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا أصبحت الحيوانات الأليفة اليوم تستحوذ على مساحة متزايدة من العاطفة والاهتمام، بينما تتراجع حرارة العلاقات الإنسانية داخل كثير من البيوت؟

لقد هاجرت العاطفة من كثيرٍ من البيوت إلى أركان رعاية الحيوانات الأليفة، وانتقل الحنان من احتضان الأبناء، وبرّ الوالدين، وتقوية أواصر الأسرة، إلى رعاية الحيوان والارتباط به. وليس المقصود التقليل من قيمة الرحمة بالحيوان، فهي خُلُقٌ نبيل دعا إليه الإسلام، لكن الخلل يبدأ حين يتحول الحيوان إلى البديل عن العلاقات الإنسانية، فتذبل المودة بين أفراد الأسرة، وتضعف صلة الرحم، ويبحث الإنسان عن دفءٍ خارج محيطه الطبيعي. فالإنسان خُلق ليجد سكينته في أسرته ومجتمعه، لا أن يستبدل دفء القلوب بعاطفةٍ تعوّض ولا تغني.

إن ازدياد الاهتمام بالحيوانات الأليفة قد يكون في بعض الحالات انعكاسًا لتحولات اجتماعية عميقة؛ فالوحدة، وتأخر الزواج، وضعف الروابط الأسرية، والانشغال بالحياة الرقمية، كلها عوامل تدفع بعض الناس إلى البحث عن رفيق يمنحهم شعورًا بالأنس دون تعقيدات العلاقات الإنسانية.

لقد أصبح كثيرون يعيشون وسط آلاف المتابعين، لكنهم يفتقدون شخصًا واحدًا يصغي إليهم بصدق. يملكون وسائل تواصل لا حصر لها، لكنهم يعجزون عن بناء علاقة إنسانية مستقرة، فيجدون في الحيوان وفاءً لا يخون، وصمتًا لا يجرح، وقربًا لا يطالب بشيء.

غير أن المجتمع لا تُقاس صحته بكثرة محلات رعاية الحيوانات، ولا بحجم الإنفاق عليها، وإنما بمتانة الأسرة، وبرّ الوالدين، واستقرار الزواج، وحسن تربية الأبناء، ودفء العلاقات بين الأقارب والجيران. فهذه هي المؤشرات الحقيقية لحيوية المجتمع وتماسكه.

العاطفة مثل الماء، لا يمكن حبسها، فهي تبحث دائمًا عن مجرى تسير فيه. فإذا ضعفت الأسرة، وتفككت العلاقات، وتراجع التواصل الإنساني، اتجهت تلك العاطفة إلى مسارات أخرى. وقد تمنح هذه المسارات شعورًا مؤقتًا بالراحة، لكنها لا تستطيع أن تعوّض الإنسان عن دفء الأسرة، ولا عن سكينة الشريك، ولا عن بركة الوالدين، ولا عن ابتسامة طفل.

إن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس انتشار تربية الحيوانات الأليفة، بل أن تصبح العلاقات الإنسانية هي الحلقة الأضعف، وأن تتراجع الأولويات حتى يصبح الاهتمام بالحيوان أكبر من الاهتمام بالإنسان.

فالرحمة بالحيوان فضيلة، لكن بناء الإنسان فريضة، وحماية الأسرة مسؤولية، وصناعة مجتمعٍ متماسك هي أعظم استثمار لمستقبل الأوطان.

ويبقى الإنسان، مهما بحث عن بدائل للعاطفة، لن يجد دفئًا يضاهي قلبًا صادقًا، ولا حضنًا يعادل حضن الأسرة، ولا سكينةً أعظم من المودة التي جعلها الله بين البشر.
التعليقات