التقسيط بوصفه أسلوب حياة

بقلم / كوثر العوفي
قبل سنوات، كان التقسيط قرارًا يرتبط بالحاجات الكبيرة. سيارة تحتاج إلى سنوات من الادخار، أو منزل يتجاوز ثمنه القدرة على الدفع دفعة واحدة، أو أثاث يبدأ معه الإنسان حياة جديدة. كان التقسيط استثناءً تفرضه الظروف، لا عادة تفرض نفسها على تفاصيل الحياة.
أما اليوم أصبح بإمكانك أن تقسط هاتفًا، وعطرًا، وحذاءً، وسماعة، بل وحتى كوب القهوة الذي تشربه في عشر دقائق، أو وجبة عشاء تنتهي قبل أن يحين موعد أول قسط. والأكثر غرابة أن كثيرًا ممن يفعلون ذلك لا يعجزون عن الدفع، بل يملكون ثمن ما يشترون، لكنهم اعتادوا فكرة التأجيل حتى أصبحت الخيار الأول، لا الأخير.
هنا لا نتحدث عن أزمة مالية، بل عن تحول ثقافي.
لقد تغيرت طريقة تفكيرنا في الإنفاق. لم يعد السؤال الذي يسبق الشراء هو: هل أحتاج هذا المنتج فعلًا. بل أصبح: كم سيكون القسط الشهري. وبين السؤالين مسافة كبيرة؛ فالأول يقيس الحاجة، أما الثاني فيقيس سهولة الحصول.
وهنا تبدأ المشكلة.
فكل قسط يبدو صغيرًا، حتى يكاد يخدع صاحبه. خمسون ريالًا لا تبدو عبئًا، ومئة ريال لا تثير القلق، لكن حين تتوزع الحياة على عشرات الأقساط الصغيرة، يصبح الراتب مجرد محطة عبور، يدخل الحساب ليخرج منه مباشرة نحو التزامات تراكمت بهدوء.
اللافت أن هذا السلوك لا يولد من الحاجة دائمًا، بل من الاعتياد. فسهولة تأجيل الدفع تخفف الشعور بثمن الشراء، وتضعف لحظة التردد التي كانت تحمي المستهلك من القرارات المتسرعة. ومع الوقت، لا يعود التقسيط وسيلة، بل يتحول إلى نمط تفكير. يصبح دفع المبلغ كاملًا هو الاستثناء، بينما يصبح التقسيط هو القاعدة، حتى في أبسط المشتريات.
وهنا تظهر ملامح سلوك استهلاكي يشبه الإدمان. ليس لأنه إدمان بالمعنى الطبي، بل لأنه يقوم على التكرار، وعلى البحث المستمر عن متعة الشراء مع تأجيل الإحساس الحقيقي بالتكلفة. فكل عملية شراء تمنح شعورًا سريعًا بالرضا، بينما يُرحَّل الثمن إلى المستقبل، وكأن المستقبل سيملك قدرة أكبر على الدفع من الحاضر.
لكن المستقبل يأتي دائمًا.
ويأتي محملًا بقائمة طويلة من الأقساط التي لم تكن تبدو مقلقة يومًا وهي منفردة، حتى اجتمعت كلها في موعد واحد.
وليس المقصود هنا انتقاد خدمات التقسيط، فهي أدوات مالية قد تكون مفيدة عندما تستخدم في شراء الاحتياجات الضرورية أو في إدارة الالتزامات الكبيرة. المشكلة تبدأ عندما تتحول من حل استثنائي إلى أسلوب حياة، وعندما يصبح تأجيل الدفع سببًا كافيًا للشراء، لا وسيلة لتيسيره.
فالإنسان لا يرهق ميزانيته بقرار واحد كبير، بل بعشرات القرارات الصغيرة التي ظن أنها بلا أثر. ولهذا فإن أخطر ما تفعله ثقافة التقسيط الحديثة أنها لا تستنزف الجيب مباشرة، بل تستنزف حساسية الإنسان تجاه الإنفاق. فيعتاد الشراء، ويألف الالتزام، ويصبح الدين الصغير أمرًا عاديًا، ثم لا يلبث أن يكتشف أن حياته المالية أصبحت موزعة على أقساط أكثر مما هي مبنية على اختيارات واعية.
إن القضية ليست في كوب القهوة، ولا في وجبة العشاء، ولا في العطر الذي قُسِّط ثمنه. القضية أن الاستهلاك لم يعد تحكمه الحاجة، بل سهولة الدفع. وحين يحدث ذلك، لا يتغير شكل السوق فقط، بل تتغير علاقتنا بالمال، ويتحول الإنفاق من قرار نفكر فيه، إلى عادة نمارسها دون أن نفكر.
وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال الذي ينبغي أن نطرحه قبل كل عملية شراء هو هل أستطيع تقسيطها، بل سؤال أكثر أهمية هل كنت سأشتريها أصلًا لو اضطررت إلى دفع ثمنها كاملًا اليوم.
أما اليوم أصبح بإمكانك أن تقسط هاتفًا، وعطرًا، وحذاءً، وسماعة، بل وحتى كوب القهوة الذي تشربه في عشر دقائق، أو وجبة عشاء تنتهي قبل أن يحين موعد أول قسط. والأكثر غرابة أن كثيرًا ممن يفعلون ذلك لا يعجزون عن الدفع، بل يملكون ثمن ما يشترون، لكنهم اعتادوا فكرة التأجيل حتى أصبحت الخيار الأول، لا الأخير.
هنا لا نتحدث عن أزمة مالية، بل عن تحول ثقافي.
لقد تغيرت طريقة تفكيرنا في الإنفاق. لم يعد السؤال الذي يسبق الشراء هو: هل أحتاج هذا المنتج فعلًا. بل أصبح: كم سيكون القسط الشهري. وبين السؤالين مسافة كبيرة؛ فالأول يقيس الحاجة، أما الثاني فيقيس سهولة الحصول.
وهنا تبدأ المشكلة.
فكل قسط يبدو صغيرًا، حتى يكاد يخدع صاحبه. خمسون ريالًا لا تبدو عبئًا، ومئة ريال لا تثير القلق، لكن حين تتوزع الحياة على عشرات الأقساط الصغيرة، يصبح الراتب مجرد محطة عبور، يدخل الحساب ليخرج منه مباشرة نحو التزامات تراكمت بهدوء.
اللافت أن هذا السلوك لا يولد من الحاجة دائمًا، بل من الاعتياد. فسهولة تأجيل الدفع تخفف الشعور بثمن الشراء، وتضعف لحظة التردد التي كانت تحمي المستهلك من القرارات المتسرعة. ومع الوقت، لا يعود التقسيط وسيلة، بل يتحول إلى نمط تفكير. يصبح دفع المبلغ كاملًا هو الاستثناء، بينما يصبح التقسيط هو القاعدة، حتى في أبسط المشتريات.
وهنا تظهر ملامح سلوك استهلاكي يشبه الإدمان. ليس لأنه إدمان بالمعنى الطبي، بل لأنه يقوم على التكرار، وعلى البحث المستمر عن متعة الشراء مع تأجيل الإحساس الحقيقي بالتكلفة. فكل عملية شراء تمنح شعورًا سريعًا بالرضا، بينما يُرحَّل الثمن إلى المستقبل، وكأن المستقبل سيملك قدرة أكبر على الدفع من الحاضر.
لكن المستقبل يأتي دائمًا.
ويأتي محملًا بقائمة طويلة من الأقساط التي لم تكن تبدو مقلقة يومًا وهي منفردة، حتى اجتمعت كلها في موعد واحد.
وليس المقصود هنا انتقاد خدمات التقسيط، فهي أدوات مالية قد تكون مفيدة عندما تستخدم في شراء الاحتياجات الضرورية أو في إدارة الالتزامات الكبيرة. المشكلة تبدأ عندما تتحول من حل استثنائي إلى أسلوب حياة، وعندما يصبح تأجيل الدفع سببًا كافيًا للشراء، لا وسيلة لتيسيره.
فالإنسان لا يرهق ميزانيته بقرار واحد كبير، بل بعشرات القرارات الصغيرة التي ظن أنها بلا أثر. ولهذا فإن أخطر ما تفعله ثقافة التقسيط الحديثة أنها لا تستنزف الجيب مباشرة، بل تستنزف حساسية الإنسان تجاه الإنفاق. فيعتاد الشراء، ويألف الالتزام، ويصبح الدين الصغير أمرًا عاديًا، ثم لا يلبث أن يكتشف أن حياته المالية أصبحت موزعة على أقساط أكثر مما هي مبنية على اختيارات واعية.
إن القضية ليست في كوب القهوة، ولا في وجبة العشاء، ولا في العطر الذي قُسِّط ثمنه. القضية أن الاستهلاك لم يعد تحكمه الحاجة، بل سهولة الدفع. وحين يحدث ذلك، لا يتغير شكل السوق فقط، بل تتغير علاقتنا بالمال، ويتحول الإنفاق من قرار نفكر فيه، إلى عادة نمارسها دون أن نفكر.
وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال الذي ينبغي أن نطرحه قبل كل عملية شراء هو هل أستطيع تقسيطها، بل سؤال أكثر أهمية هل كنت سأشتريها أصلًا لو اضطررت إلى دفع ثمنها كاملًا اليوم.