×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

من براءة الطفولة إلى حسابات الكبار

من براءة الطفولة إلى حسابات الكبار
بقلم : عامر آل عامر 
في طفولتنا لم نكن نعرف معنى النفوذ، ولا قيمة المنصب، ولا وزن الحسابات المعقدة. كنا نختار أصدقاءنا بقلوبنا، لا بعقولنا. كانت ضحكة واحدة تكفي لتصنع صداقة، وموقف صغير يكفي ليبني ثقة تمتد سنوات. لم يكن أحد يسأل: ماذا سأستفيد؟ بل كان السؤال الفطري: هل أشعر بالراحة معه؟

ثم نكبر...

فتدخل المصالح إلى العلاقات كما يتسلل الغبار إلى البيوت المفتوحة. تصبح الصداقة عند البعض استثمارًا، والمعرفة وسيلة، والوفاء خيارًا مؤقتًا، وتتحول القلوب إلى دفاتر حسابات؛ تُوزَن فيها البشر بمقدار ما يقدمونه، لا بمقدار ما يحملونه من صدق.

لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون، أن العلاقات التي تُبنى على المنفعة تموت بانتهاء المنفعة، أما العلاقات التي تُبنى على المحبة والاحترام فتبقى، وإن فرقت بينها المسافات والسنون.

ليس الفقر الحقيقي أن يخسر الإنسان مالًا، بل أن يعجز عن العثور على صديق يستطيع أن يتصل به دون موعد، ويحدثه دون تكلف، ويطمئن إليه دون خوف من استغلال أو مصلحة.

وكم هو مؤلم أن يكتشف الإنسان، بعد سنوات من العطاء، أن بعض الوجوه لم تكن ترى فيه سوى جسر تعبر عليه، فإذا وصلت إلى غايتها تركته خلفها دون التفات.

الحياة تعلمنا أن كثرة المعارف ليست ثراءً، وأن ازدحام الأسماء في الهاتف لا يعني أن القلب مليء بالأصدقاء. الثروة الحقيقية هي شخص يبقى إلى جانبك حين لا تملك ما تقدمه إلا نفسك.

ولذلك، لا تحزن إذا غادر حياتك من كانت تجمعك به مصلحة؛ فالأقدار لا تنزع من حياتك إلا ما كان مؤقتًا، لكنها تحتفظ لك بمن أحبك لذاتك، لا لما تملكه.

ابقَ كما كنت في طفولتك... نقي السريرة، صادق المشاعر، كريم القلب. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من أصحاب المصالح، بل يحتاج إلى أناس إذا حضروا اطمأنت الأرواح، وإذا غابوا اشتاقت إليهم القلوب.
التعليقات