صديق باع نفسه

بقلم / سلافة سمباوه
أكثر الشخصيات إثارة للحزن ليست تلك التي تعلن عداوتها منذ البداية، وإنما التي ترتدي هيئة الصديق حتى تكتمل حاجتها، ثم تنزع وجهها بهدوء وكأن شيئا لم يكن. يدخل حياتك بابتسامة، ويغادرك وهو يحمل ما استطاع أخذه منك، ثم يتركك منشغلا بتفسير ما حدث، بينما هو يبحث عن ضحية جديدة.
صداقة المصلحة ليست عيبا اجتماعيا عابرا، وإنما بنية نفسية كاملة تشكلت منذ الطفولة. طفل لم يشعر بالأمان، فتعلم أن القيمة لا تأتي من ذاته، وإنما من قدرته على كسب النفوذ والقبول والسيطرة. كبر الجسد، وبقي الطفل نفسه يطارد الشعور بالأهمية في وجوه الآخرين. يبدل مواقفه كما يبدل ثيابه، ويغير ولاءه بمجرد تغير موازين القوة.
الإنسان الذي يساوم على مبادئه مرة واحدة، يكتشف أن البيع صار أسهل في كل مرة. تبدأ الحكاية بتبرير صغير، ثم تتسع الدائرة حتى تصبح الأخلاق سلعة، والوفاء صفقة، والإنسان مجرد وسيلة. تتراجع القيم أمام المصالح، ويغدو الضمير عبئا يعرقل الوصول إلى الغاية. كل شيء يصبح قابلا للبيع حين تجلس المصلحة على عرش الضمير.
مثل هذه الشخصية نادرا ما تواجه خصومها مباشرة. تفضل الحروب الباردة، ونقل الكلام، وإشعال الحرائق من بعيد، ثم الجلوس في مقعد الحكيم الذي يدعو إلى التهدئة. تتقن صناعة الصورة أكثر من صناعة الحقيقة. تعرف كيف تبدو لطيفة، وكيف تكسب التعاطف، وكيف تزرع الشكوك بين الناس، حتى يصبح الجميع أدوات في معركة لا يعلمون أنهم جزء منها.
الحسد عندها ليس رغبة في امتلاك ما يملكه الآخر، وإنما رفض لفكرة أن ينجح أحد دونها. نجاح الآخرين يهدد صورتها الداخلية، فيتحول الإعجاب إلى منافسة، والمنافسة إلى إسقاط، والإسقاط إلى محاولة هدم كل من يقف في الطريق. ولهذا تبدو العلاقات عندها قصيرة العمر، كثيرة الضجيج، قليلة الوفاء.
في علم النفس، يعيش أصحاب هذا النمط فراغا يصعب الاعتراف به. كثرة المعارف لا تعني وجود صديق واحد. ازدحام المجالس لا يمنح الدفء. التصفيق لا يعالج الوحدة. كل انتصار خارجي يعقبه خوف داخلي من انكشاف الحقيقة. يخشون المواجهة لأن المواجهة تكشف هشاشتهم، ويخشون الصراحة لأنها تسقط الأقنعة التي تعبوا في صناعتها.
تحدث ديفيد هاوكنز عن أن الإنسان حين يعيش في مستويات الوعي المنخفضة يصبح مدفوعا بالخوف والرغبة والسيطرة. وتحدثت كتب القوة والإغواء عن استثمار حاجات البشر وضعفهم للوصول إلى الغاية. غير أن من يجعل تلك المبادئ أسلوب حياة يدفع ثمنا لا يظهر في الحسابات السريعة. يخسر القدرة على الحب، وعلى الطمأنينة، وعلى الثقة، ثم يكتشف متأخرا أن الجميع يعامله بالطريقة التي عاملهم بها.
المؤلم أن هذا الإنسان يظن نفسه الأذكى في الغرفة، بينما يقضي عمره كله هاربا من سؤال واحد. من يحبني حين تنتهي مصلحتي؟.
صداقة المصلحة ليست عيبا اجتماعيا عابرا، وإنما بنية نفسية كاملة تشكلت منذ الطفولة. طفل لم يشعر بالأمان، فتعلم أن القيمة لا تأتي من ذاته، وإنما من قدرته على كسب النفوذ والقبول والسيطرة. كبر الجسد، وبقي الطفل نفسه يطارد الشعور بالأهمية في وجوه الآخرين. يبدل مواقفه كما يبدل ثيابه، ويغير ولاءه بمجرد تغير موازين القوة.
الإنسان الذي يساوم على مبادئه مرة واحدة، يكتشف أن البيع صار أسهل في كل مرة. تبدأ الحكاية بتبرير صغير، ثم تتسع الدائرة حتى تصبح الأخلاق سلعة، والوفاء صفقة، والإنسان مجرد وسيلة. تتراجع القيم أمام المصالح، ويغدو الضمير عبئا يعرقل الوصول إلى الغاية. كل شيء يصبح قابلا للبيع حين تجلس المصلحة على عرش الضمير.
مثل هذه الشخصية نادرا ما تواجه خصومها مباشرة. تفضل الحروب الباردة، ونقل الكلام، وإشعال الحرائق من بعيد، ثم الجلوس في مقعد الحكيم الذي يدعو إلى التهدئة. تتقن صناعة الصورة أكثر من صناعة الحقيقة. تعرف كيف تبدو لطيفة، وكيف تكسب التعاطف، وكيف تزرع الشكوك بين الناس، حتى يصبح الجميع أدوات في معركة لا يعلمون أنهم جزء منها.
الحسد عندها ليس رغبة في امتلاك ما يملكه الآخر، وإنما رفض لفكرة أن ينجح أحد دونها. نجاح الآخرين يهدد صورتها الداخلية، فيتحول الإعجاب إلى منافسة، والمنافسة إلى إسقاط، والإسقاط إلى محاولة هدم كل من يقف في الطريق. ولهذا تبدو العلاقات عندها قصيرة العمر، كثيرة الضجيج، قليلة الوفاء.
في علم النفس، يعيش أصحاب هذا النمط فراغا يصعب الاعتراف به. كثرة المعارف لا تعني وجود صديق واحد. ازدحام المجالس لا يمنح الدفء. التصفيق لا يعالج الوحدة. كل انتصار خارجي يعقبه خوف داخلي من انكشاف الحقيقة. يخشون المواجهة لأن المواجهة تكشف هشاشتهم، ويخشون الصراحة لأنها تسقط الأقنعة التي تعبوا في صناعتها.
تحدث ديفيد هاوكنز عن أن الإنسان حين يعيش في مستويات الوعي المنخفضة يصبح مدفوعا بالخوف والرغبة والسيطرة. وتحدثت كتب القوة والإغواء عن استثمار حاجات البشر وضعفهم للوصول إلى الغاية. غير أن من يجعل تلك المبادئ أسلوب حياة يدفع ثمنا لا يظهر في الحسابات السريعة. يخسر القدرة على الحب، وعلى الطمأنينة، وعلى الثقة، ثم يكتشف متأخرا أن الجميع يعامله بالطريقة التي عاملهم بها.
المؤلم أن هذا الإنسان يظن نفسه الأذكى في الغرفة، بينما يقضي عمره كله هاربا من سؤال واحد. من يحبني حين تنتهي مصلحتي؟.