×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

ما الذي يصنع قيمة الإنسان؟

ما الذي يصنع قيمة الإنسان؟
بقلم / كوثر العوفي 
ليس من الصعب اليوم أن تعرف ماذا يملك الإنسان، لكن أصبح من الأصعب أن تعرف من هو. فالأشياء باتت تتحدث بصوت أعلى من أصحابها؛ ساعة على المعصم، وسيارة أمام المنزل، وهاتف في اليد، وعلامة تجارية على قطعة قماش. غير أن كل هذه التفاصيل، مهما بدت لافتة، لا تجيب عن السؤال الأهم: ما الذي يصنع قيمة الإنسان؟

في السنوات الأخيرة، تغيّر شيء في طريقة نظرنا إلى النجاح. لم يعد يُقاس دائمًا بما ينجزه الإنسان، بل بما يعرضه. وأصبح الانطباع الأول يُبنى أحيانًا على المظهر قبل الفكرة، وعلى المقتنيات قبل الشخصية. لم يحدث هذا التحول بقرار معلن، لكنه تسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية حتى صار مألوفًا، وربما غير ملحوظ.

ولأن الشباب هم الأكثر احتكاكًا بهذا المشهد، فقد وجد كثير منهم أنفسهم في سباق لا يتعلق بتحقيق ذواتهم بقدر ما يتعلق بالحفاظ على صورة معينة عنها. صورة توحي بالنجاح، حتى وإن كان النجاح الحقيقي لا يزال في بدايته. ومع الوقت، يصبح السؤال الذي يحرك بعض القرارات كيف سأبدو؟ أكثر من ماذا سأصبح؟

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فالإنسان الذي يربط قيمته بما يملك، يجعلها عرضة للتغير مع كل ما يتغير. فإذا كانت القيمة مستمدة من منصب، فإنها تهتز بزواله. وإذا كانت معلقة بثروة، فإنها تتراجع بتراجعها. وإذا كانت مرتبطة بمظهر، فإنها تدخل في منافسة لا تنتهي، لأن الأسواق لا تعرف الاكتفاء، بل تعيش على إقناع الناس بأن هناك دائمًا ما هو أحدث، وأغلى، وأكثر لفتًا للانتباه.

وليس المقصود من ذلك التقليل من شأن النجاح المادي، أو الدعوة إلى الزهد في كل جميل. فالإنسان بطبيعته يسعى إلى تحسين جودة حياته، وهذا أمر مشروع. لكن الفرق كبير بين أن يمتلك الإنسان الأشياء، وبين أن تمتلك الأشياء تعريفه لنفسه. ففي الحالة الأولى تكون المقتنيات نتيجة لرحلة النجاح، وفي الثانية تتحول إلى محاولة لإثبات نجاح لم يكتمل بعد.

العقول التي تعرف ماذا تريد لا تدخل هذا السباق طويلًا. فهي تدرك أن القيمة لا تُصنع في المتاجر، بل في المكتبات، وفي ميادين العمل، وفي التجارب، وفي القدرة على التعلم المستمر. وتدرك أيضًا أن الاستثمار في المعرفة أكثر استقرارًا من الاستثمار في الصورة، لأن ما يبنيه الإنسان في عقله لا يفقد قيمته بتغير الموضة، ولا بانتهاء منصب، ولا بظهور نسخة أحدث من أي منتج.

وربما لهذا السبب بقي أثر العلماء، والمفكرين، والمبدعين، وقادة الإصلاح، بينما غابت تفاصيل كثيرة كانت في زمانها عنوانًا للثراء والوجاهة. فالذاكرة الإنسانية لا تحفظ ثمن الساعة التي ارتداها أحدهم، لكنها تحفظ الفكرة التي غيرت وعيًا، والكتاب الذي فتح أفقًا، والموقف الذي صنع فرقًا، والعمل الذي بقي نفعه بعد صاحبه.

إن المجتمعات التي تضع الإنسان في مركز اهتمامها لا تعلّم أبناءها كيف يبدون أكثر ثراءً، بل كيف يصبحون أكثر قدرة. تغرس فيهم أن المكانة تُكتسب بالكفاءة، وأن الاحترام يُبنى بالصدق والإتقان، وأن الحضور الحقيقي لا يحتاج إلى كثير من المظاهر إذا كان صاحبه يملك ما يقوله وما يقدمه.

وربما لا تكمن القضية في كثرة ما نقتنيه، بل في المعنى الذي نعلقه على ما نقتنيه. فحين تصبح الأشياء وسيلة للعيش، فإنها تؤدي دورها الطبيعي. أما حين تتحول إلى مقياس للقيمة الإنسانية، فإننا لا نرفع من شأن الأشياء، بقدر ما نقلل، دون أن نشعر، من شأن الإنسان نفسه.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: لو سقطت الألقاب، وغابت المناصب، وتبدلت الظروف، واختفت كل المقتنيات التي نفاخر بها، فما الذي سيبقى منا

الإجابة عن هذا السؤال لا تبحث عنها الأسواق، ولا تقدمها العلامات التجارية. إنها تُبنى بصمت، في عقل يتعلم، وشخصية تنضج، وعمل يتقن، وأثر يبقى. وهناك، فقط، تبدأ القيمة الحقيقية للإنسان.
التعليقات