حين يملُّ الفارس

بقلم / عبادل الشمراني
أقبض على قلمي كما يقبض فارسٌ في أعتى معركة على درعه، يخشى أن تسبقه السيوف إلى صدره. وأحدّق في ورقةٍ بيضاء، حتى كأنها من كثرة ما طعنتها تمزقت، وسال الحبر منها كأنه دمٌ يسيل من جراح المعارك. أحاول أن أكتب، فلا تطيعني الكلمات، وأحاول أن أبدأ، فتفرُّ الجمل من بين أصابعي.
أسأل نفسي في دهشة: ألستُ فارسًا؟ ألستُ الذي كان يقتحم الصفحات كما يقتحم المقاتل ميادين الوغى؟ فأين مضت تلك الجرأة؟ وأين اختبأت تلك الرغبة التي كانت توقظني قبل أن يوقظني الصباح؟ هل ضعفت؟ أم هُزمت؟ أم أن خوفي سبقني إلى ميدان الكتابة؟
وللحظةٍ يخيل إليَّ أن الفارس الذي كان لا يُشق له غبار قد غدا صعلوكًا لا يحمل سيفًا، وأن القلم الذي كان يفتح المدن قد أصبح أثقل من جبل. لكن الحقيقة ليست كذلك.
إن ما يمر بنا ليس دائمًا ضعفًا، ولا كل سكونٍ هزيمة، ولا كل انطفاءٍ نهاية. إنها حالة يعرفها كل إنسان، مهما بلغت همته، ومهما سمت غايته؛ إنها الملل.
ذلك الضيف الثقيل الذي يطرق الأبواب بلا استئذان، فيجلس على مقاعد الشغف، ويطفئ شيئًا من وهجه. يجعل العمل الذي كنا نعشقه يبدو عاديًا، والهواية التي كنا نفر إليها تبدو كأنها عبء، حتى نظن أن الحب قد انتهى، وما انتهى إلا اندفاعه.
وليس الملل عدوًّا للكاتب وحده، ولا رفيقًا للمبدع دون غيره؛ بل هو سنة من سنن الحياة. يطرق باب القارئ، والعالم، والتاجر، والطالب، والرياضي، وكل من سار في طريقٍ طويل. فلا قلب يظل مشتعلًا على وتيرة واحدة، ولا نفس تبقى في ذروة الحماس دون أن تهبط قليلًا لتلتقط أنفاسها.
حتى الكتاب الذي نستغرق في صفحاته، ونلتهم فصوله بشغف، لا يخلو من صفحاتٍ يبطؤ فيها الإيقاع، فنمضي فيها على مهل. وليس معنى ذلك أن الكتاب سيئ، بل لأن النفس لا تستطيع أن تعيش دائمًا في الذروة.
وكذلك الحياة؛ فهي لا تُبنى على الحماس وحده، بل على الثبات أيضًا. فالحماس شرارة البداية، أما الاستمرار فهو الذي يصنع المنجزات. ولو أن الناس لم يعملوا إلا في الأيام التي يشعرون فيها بالشغف، لما اكتمل كتاب، ولا قامت حضارة، ولا وصل إنسان إلى غاية.
لذلك، إذا طرق الملل بابك، فلا تستقبله على أنه نذير فشل، ولا تظنه إعلانًا بانتهاء رحلتك. دعه يمر كما تمر غيمة الصيف، ثم عُد إلى طريقك. فالفارس لا يُعرف لأنه لم يتعب، وإنما لأنه عاد إلى سيفه بعد كل تعب، والكاتب لا يُخلِّده قلمه لأنه لم يصمت، وإنما لأنه كتب بعد كل صمت.
فالملل محطة، وليس وجهة. وسحابة، لا سماء. ومن عرف هذه الحقيقة، أدرك أن الفتور لا يهزم الأحلام، وإنما يهزمها الاستسلام.
أسأل نفسي في دهشة: ألستُ فارسًا؟ ألستُ الذي كان يقتحم الصفحات كما يقتحم المقاتل ميادين الوغى؟ فأين مضت تلك الجرأة؟ وأين اختبأت تلك الرغبة التي كانت توقظني قبل أن يوقظني الصباح؟ هل ضعفت؟ أم هُزمت؟ أم أن خوفي سبقني إلى ميدان الكتابة؟
وللحظةٍ يخيل إليَّ أن الفارس الذي كان لا يُشق له غبار قد غدا صعلوكًا لا يحمل سيفًا، وأن القلم الذي كان يفتح المدن قد أصبح أثقل من جبل. لكن الحقيقة ليست كذلك.
إن ما يمر بنا ليس دائمًا ضعفًا، ولا كل سكونٍ هزيمة، ولا كل انطفاءٍ نهاية. إنها حالة يعرفها كل إنسان، مهما بلغت همته، ومهما سمت غايته؛ إنها الملل.
ذلك الضيف الثقيل الذي يطرق الأبواب بلا استئذان، فيجلس على مقاعد الشغف، ويطفئ شيئًا من وهجه. يجعل العمل الذي كنا نعشقه يبدو عاديًا، والهواية التي كنا نفر إليها تبدو كأنها عبء، حتى نظن أن الحب قد انتهى، وما انتهى إلا اندفاعه.
وليس الملل عدوًّا للكاتب وحده، ولا رفيقًا للمبدع دون غيره؛ بل هو سنة من سنن الحياة. يطرق باب القارئ، والعالم، والتاجر، والطالب، والرياضي، وكل من سار في طريقٍ طويل. فلا قلب يظل مشتعلًا على وتيرة واحدة، ولا نفس تبقى في ذروة الحماس دون أن تهبط قليلًا لتلتقط أنفاسها.
حتى الكتاب الذي نستغرق في صفحاته، ونلتهم فصوله بشغف، لا يخلو من صفحاتٍ يبطؤ فيها الإيقاع، فنمضي فيها على مهل. وليس معنى ذلك أن الكتاب سيئ، بل لأن النفس لا تستطيع أن تعيش دائمًا في الذروة.
وكذلك الحياة؛ فهي لا تُبنى على الحماس وحده، بل على الثبات أيضًا. فالحماس شرارة البداية، أما الاستمرار فهو الذي يصنع المنجزات. ولو أن الناس لم يعملوا إلا في الأيام التي يشعرون فيها بالشغف، لما اكتمل كتاب، ولا قامت حضارة، ولا وصل إنسان إلى غاية.
لذلك، إذا طرق الملل بابك، فلا تستقبله على أنه نذير فشل، ولا تظنه إعلانًا بانتهاء رحلتك. دعه يمر كما تمر غيمة الصيف، ثم عُد إلى طريقك. فالفارس لا يُعرف لأنه لم يتعب، وإنما لأنه عاد إلى سيفه بعد كل تعب، والكاتب لا يُخلِّده قلمه لأنه لم يصمت، وإنما لأنه كتب بعد كل صمت.
فالملل محطة، وليس وجهة. وسحابة، لا سماء. ومن عرف هذه الحقيقة، أدرك أن الفتور لا يهزم الأحلام، وإنما يهزمها الاستسلام.