العلاج بالقراءة.. عندما تصبح القراءة جزءًا من رحلة التعافي

بقلم / كوثر العوفي
ليس كل من يفتح كتابًا يبحث عن معلومة جديدة، فبعضنا يفتحه لأنه تعب من حمل ما بداخله، لأن الحياة ضاقت بما فيها، ولأنه يحتاج إلى مكان لا يطالبه بأن يكون قويًا طوال الوقت. هناك لحظات لا نبحث فيها عن إجابات، بل عن هدوء، ولا عن حلول، بل عن فسحة نبتعد فيها قليلًا عن ضجيج العالم، حتى لو كانت بين دفتي كتاب.
لهذا، لا ينبغي أن ننظر إلى القراءة على أنها سباق لجمع المعرفة، أو وسيلة تجعلنا أشخاصًا مختلفين بين ليلة وضحاها، فالكتاب ليس عصًا سحرية، ولا يملك القدرة على محو الألم أو إنهاء المشكلات، لكنه يستطيع أن يمنحنا ما نفتقده كثيرًا في حياتنا اليومية؛ لحظة هادئة نصغي فيها إلى أنفسنا بعيدًا عن كل ما يرهقنا.
ومن هنا ظهر مفهوم العلاج بالقراءة، أو ما يُعرف عالميًا بـ Bibliotherapy، وهو مفهوم يعود إلى بدايات القرن العشرين، حين بدأ بعض الأطباء وأمناء المكتبات يلاحظون الأثر الإيجابي الذي تتركه القراءة في نفوس المرضى، فكانت الكتب تُستخدم لمساعدتهم على التخفيف من التوتر، واستعادة الأمل، والتعامل مع مشاعرهم. ومع مرور الوقت، تطور هذا المفهوم، وأصبح يُستخدم في بعض المستشفيات والمدارس والمراكز النفسية كوسيلة داعمة إلى جانب أساليب العلاج الأخرى، انطلاقًا من فكرة بسيطة تقول إن الإنسان قد يجد في كتاب ما ما يعجز الآخرون عن قوله له.
وفي كتاب "العلاج بالقراءة: القوة الشافية للكتب"، تتناول الكاتبة بيجال شاه هذا المفهوم بطريقة إنسانية قريبة من القارئ. فهي لا تقدم القراءة بوصفها علاجًا سحريًا، ولا تعد القارئ بأن حياته ستتغير بمجرد إنهاء كتاب، بل تشرح كيف يمكن للكتب أن تصبح رفقة صامتة في الأوقات الصعبة. فالإنسان عندما يقرأ قصة تشبه ما يعيشه، أو يلتقي بشخصية مرت بالخوف أو الفقد أو القلق نفسه، يشعر بأنه ليس وحيدًا، وأن ما يمر به جزء من التجربة الإنسانية التي عاشها كثيرون قبله.
وتؤكد الكاتبة أن القيمة الحقيقية للقراءة لا تكمن فقط في المعلومات التي نكتسبها، بل في المشاعر التي توقظها داخلنا، وفي الأسئلة التي تدفعنا إلى طرحها على أنفسنا، وفي المساحة التي تمنحها لنا لنفكر بهدوء بعيدًا عن استعجال الحياة. فالكتاب لا يحكم علينا، ولا يقاطعنا، ولا يطالبنا بأن نشرح ما نشعر به، بل يترك لنا الوقت الكافي لنفهم أنفسنا على مهل.
وربما لهذا السبب، لا يتذكر كثير من القراء كل تفاصيل الكتب التي قرأوها، لكنهم يتذكرون جيدًا كيف جعلتهم تلك الكتب يشعرون. فقد ننسى أسماء الشخصيات، لكننا لا ننسى الراحة التي وجدناها ونحن نقلب الصفحات، ولا تلك الجملة التي جاءت في وقتها، ولا ذلك الشعور الخفيف بأن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تحتمل.
ولعل أجمل ما في القراءة أنها لا تطلب منك أن تكون بخير قبل أن تبدأ. تستطيع أن تفتح كتابًا وأنت مثقل بالهموم، أو مشتت الفكر، أو مرهقًا من تفاصيل الحياة، ولن يطلب منك الكتاب سوى أن تمنحه بعض الوقت. وخلال هذا الوقت، قد لا تختفي مشكلاتك، لكنها تتراجع قليلًا إلى الخلف، ويصبح بإمكانك أن تتنفس، وأن تنظر إليها بعين أكثر هدوءًا.
ومن المهم أن ندرك أن العلاج بالقراءة ليس بديلًا عن العلاج النفسي المتخصص في الحالات التي تستدعي ذلك، لكنه قد يكون وسيلة داعمة تمنح الإنسان مساحة آمنة للتأمل، وفهم مشاعره، واستعادة شيء من توازنه الداخلي. فكما يحتاج الجسد إلى الراحة، تحتاج الروح أيضًا إلى ما يخفف عنها، وأحيانًا يكون كتاب واحد كافيًا ليمنحها تلك الاستراحة.
ليس المطلوب أن تقرأ لتبهر الآخرين، ولا أن تضيف إلى رصيدك عشرات الكتب كل عام، ولا أن تبحث في كل صفحة عن درس جديد. اقرأ لأنك تستحق لحظة هادئة في هذا العالم الصاخب، ولأن قلبك يحتاج أحيانًا إلى من يربت عليه دون أن يتحدث كثيرًا، ولأن بعض الكتب لا تغيّر حياتنا كلها، لكنها قد تغيّر نظرتنا إلى يوم واحد كان مثقلًا بما يكفي، وأحيانًا يكون يوم واحد أكثر هدوءًا هو كل ما نحتاج إليه لنبدأ رحلة التعافي.
ليس كل من يفتح كتابًا يبحث عن معلومة جديدة، فبعضنا يفتحه لأنه تعب من حمل ما بداخله، لأن الحياة ضاقت بما فيها، ولأنه يحتاج إلى مكان لا يطالبه بأن يكون قويًا طوال الوقت. هناك لحظات لا نبحث فيها عن إجابات، بل عن هدوء، ولا عن حلول، بل عن فسحة نبتعد فيها قليلًا عن ضجيج العالم، حتى لو كانت بين دفتي كتاب.
لهذا، لا ينبغي أن ننظر إلى القراءة على أنها سباق لجمع المعرفة، أو وسيلة تجعلنا أشخاصًا مختلفين بين ليلة وضحاها، فالكتاب ليس عصًا سحرية، ولا يملك القدرة على محو الألم أو إنهاء المشكلات، لكنه يستطيع أن يمنحنا ما نفتقده كثيرًا في حياتنا اليومية؛ لحظة هادئة نصغي فيها إلى أنفسنا بعيدًا عن كل ما يرهقنا.
ومن هنا ظهر مفهوم العلاج بالقراءة، أو ما يُعرف عالميًا بـ Bibliotherapy، وهو مفهوم يعود إلى بدايات القرن العشرين، حين بدأ بعض الأطباء وأمناء المكتبات يلاحظون الأثر الإيجابي الذي تتركه القراءة في نفوس المرضى، فكانت الكتب تُستخدم لمساعدتهم على التخفيف من التوتر، واستعادة الأمل، والتعامل مع مشاعرهم. ومع مرور الوقت، تطور هذا المفهوم، وأصبح يُستخدم في بعض المستشفيات والمدارس والمراكز النفسية كوسيلة داعمة إلى جانب أساليب العلاج الأخرى، انطلاقًا من فكرة بسيطة تقول إن الإنسان قد يجد في كتاب ما ما يعجز الآخرون عن قوله له.
وفي كتاب "العلاج بالقراءة: القوة الشافية للكتب"، تتناول الكاتبة بيجال شاه هذا المفهوم بطريقة إنسانية قريبة من القارئ. فهي لا تقدم القراءة بوصفها علاجًا سحريًا، ولا تعد القارئ بأن حياته ستتغير بمجرد إنهاء كتاب، بل تشرح كيف يمكن للكتب أن تصبح رفقة صامتة في الأوقات الصعبة. فالإنسان عندما يقرأ قصة تشبه ما يعيشه، أو يلتقي بشخصية مرت بالخوف أو الفقد أو القلق نفسه، يشعر بأنه ليس وحيدًا، وأن ما يمر به جزء من التجربة الإنسانية التي عاشها كثيرون قبله.
وتؤكد الكاتبة أن القيمة الحقيقية للقراءة لا تكمن فقط في المعلومات التي نكتسبها، بل في المشاعر التي توقظها داخلنا، وفي الأسئلة التي تدفعنا إلى طرحها على أنفسنا، وفي المساحة التي تمنحها لنا لنفكر بهدوء بعيدًا عن استعجال الحياة. فالكتاب لا يحكم علينا، ولا يقاطعنا، ولا يطالبنا بأن نشرح ما نشعر به، بل يترك لنا الوقت الكافي لنفهم أنفسنا على مهل.
وربما لهذا السبب، لا يتذكر كثير من القراء كل تفاصيل الكتب التي قرأوها، لكنهم يتذكرون جيدًا كيف جعلتهم تلك الكتب يشعرون. فقد ننسى أسماء الشخصيات، لكننا لا ننسى الراحة التي وجدناها ونحن نقلب الصفحات، ولا تلك الجملة التي جاءت في وقتها، ولا ذلك الشعور الخفيف بأن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تحتمل.
ولعل أجمل ما في القراءة أنها لا تطلب منك أن تكون بخير قبل أن تبدأ. تستطيع أن تفتح كتابًا وأنت مثقل بالهموم، أو مشتت الفكر، أو مرهقًا من تفاصيل الحياة، ولن يطلب منك الكتاب سوى أن تمنحه بعض الوقت. وخلال هذا الوقت، قد لا تختفي مشكلاتك، لكنها تتراجع قليلًا إلى الخلف، ويصبح بإمكانك أن تتنفس، وأن تنظر إليها بعين أكثر هدوءًا.
ومن المهم أن ندرك أن العلاج بالقراءة ليس بديلًا عن العلاج النفسي المتخصص في الحالات التي تستدعي ذلك، لكنه قد يكون وسيلة داعمة تمنح الإنسان مساحة آمنة للتأمل، وفهم مشاعره، واستعادة شيء من توازنه الداخلي. فكما يحتاج الجسد إلى الراحة، تحتاج الروح أيضًا إلى ما يخفف عنها، وأحيانًا يكون كتاب واحد كافيًا ليمنحها تلك الاستراحة.
ليس المطلوب أن تقرأ لتبهر الآخرين، ولا أن تضيف إلى رصيدك عشرات الكتب كل عام، ولا أن تبحث في كل صفحة عن درس جديد. اقرأ لأنك تستحق لحظة هادئة في هذا العالم الصاخب، ولأن قلبك يحتاج أحيانًا إلى من يربت عليه دون أن يتحدث كثيرًا، ولأن بعض الكتب لا تغيّر حياتنا كلها، لكنها قد تغيّر نظرتنا إلى يوم واحد كان مثقلًا بما يكفي، وأحيانًا يكون يوم واحد أكثر هدوءًا هو كل ما نحتاج إليه لنبدأ رحلة التعافي.