×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

بين التوقع وادعاء علم الغيب

بين التوقع وادعاء علم الغيب
بقلم / نايف الربيعة 
كثيرًا ما نسمع عن التنجيم أو الأشخاص الذين يدّعون معرفة ما سيحدث في المستقبل، وقد يتساءل البعض: كيف ينجح بعضهم أحيانًا في توقع أحداث تقع فعلًا؟ وهل يعني ذلك أنهم يعلمون الغيب؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن نؤكد حقيقة ثابتة يؤمن بها المسلم، وهي أن علم الغيب من اختصاص الله سبحانه وتعالى وحده، فلا يعلم ما سيحدث في المستقبل على وجه اليقين إلا الله عز وجل.

قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.

كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.

وقد حذرت الشريعة الإسلامية من التعلق بالمنجمين والكهنة ومن يدّعون معرفة الغيب، لما في ذلك من مخالفة لعقيدة التوحيد وصرف القلوب عن التوكل على الله.

لكن يبقى السؤال مطروحًا: لماذا تصيب بعض التوقعات أحيانًا؟

الجواب أن هناك فرقًا كبيرًا بين ادعاء علم الغيب وبين التوقع المبني على التحليل والمعطيات. فالإنسان قد يمتلك خبرة واسعة في مجال معين، ويستطيع من خلال المتابعة والدراسة والملاحظة أن يتوقع نتائج أو أحداثًا محتملة بدرجة من الدقة، دون أن يعني ذلك أنه يعلم الغيب.

فعلى سبيل المثال، قد يتوقع محلل رياضي نتيجة مباراة استنادًا إلى مستوى الفرق وإحصاءاتها وظروفها الفنية. وقد يتوقع خبير اقتصادي تغيرًا في الأسواق اعتمادًا على مؤشرات ومعطيات واقعية. كما قد يتنبأ مختص بالأحوال الجوية بأمطار أو عواصف بناءً على نماذج علمية وبيانات دقيقة.

جميع هذه الأمثلة تقوم على القراءة والتحليل والاستنتاج، وليس على معرفة الغيب.
ولتقريب الصورة أكثر، تخيل وجود صخرة كبيرة على حافة جبل مرتفع. لو سألنا ثلاثة أشخاص عن احتمال سقوطها، فستختلف الإجابات باختلاف المعرفة والخبرة.

فالشخص العادي سيبني رأيه على ما يراه أمامه فقط، بينما قد يأخذ شخص لديه معرفة بسيطة بعوامل الطبيعة بعض المؤثرات في الحسبان. أما المتخصص في الجيولوجيا فسيدرس طبيعة الصخور، وشدة الرياح، وعوامل التعرية، ونسبة الرطوبة، والنشاط الزلزالي، وغيرها من المؤثرات العلمية قبل أن يقدم تقديره.

لذلك تكون توقعاته أقرب إلى الواقع، لا لأنه يعلم الغيب، وإنما لأنه يمتلك معلومات وأدوات تحليل أكثر دقة من غيره.

ومن هنا ينبغي التفريق بين من يقرأ المعطيات ويقدم توقعات محتملة قابلة للصواب والخطأ، وبين من يزعم معرفة المستقبل على وجه اليقين أو يدّعي الإحاطة بما خفي عن الناس.

إن التوسع في المعرفة والخبرة يمنح الإنسان قدرة أفضل على فهم الأحداث واستشراف نتائجها المحتملة، لكن ذلك لا يخرجه عن حدود البشر الذين يخطئون ويصيبون. أما الغيب المطلق فسيبقى علمًا اختص الله به دون سواه.

نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والبصيرة في أمور ديننا ودنيانا، وأن يحفظنا من كل قول أو اعتقاد يخالف الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
التعليقات