×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ

اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ
بقلم / عبادل الشمراني 



أعميت عيونَنا، وخالط السوادُ قلوبَنا، فسئمنا حياتَنا، وضاعت صداقاتُنا. هكذا يفعل سوء الظن حين يجد طريقه إلى النفس؛ لا يدخلها دفعةً واحدة، بل يتسلل إليها بهدوء حتى يملأها شكًّا واضطرابًا، ويحوّل أكثر العلاقات صفاءً إلى مسافاتٍ باردة لا دفءَ فيها.

فما إن يُعقِل الإنسان عقلَه وقلبَه كما يُعقِل الراعي ناقته، حتى يبدأ بتفسير كلِّ شيءٍ بقدر ما تبقّى من ذلك العِقال؛ فيُقيّد مشاعرَه بالشك، ويحبس أفكارَه خلف ظنونٍ لا تنتهي، فلا يرى من الناس إلا ما يوافق خوفه، ولا يسمع إلا صدى أوهامه. ومع الوقت، يصبح أسيرًا لظنونه، يرهقه التفكير، وتستنزفه التأويلات، حتى يفقد راحته قبل أن يفقد الآخرين.

تبدأ الحكاية خطوةً خطوة؛ من النفس البشرية أولًا، ثم تمتد إلى العالم الخارجي حتى يبهت كل شيء. فسوء الظن لا يهدم العلاقات فجأة، بل يفتتها ببطءٍ شديد، أشبه بقدرٍ يغلي على النار، تُلقى فيه المكونات حبةً حبة حتى يتغير طعمه كله دون أن نشعر. يبدأ الأمر بنظرةٍ مرتابة، ثم بفكرةٍ بناها العقل، فكلمةٍ أُسيء فهمها، ثم بصمتٍ حُمِل على غير معناه، حتى يتحول القرب إلى جفاء، والمودة إلى حذر، والطمأنينة إلى خوفٍ دائم.

وكم من صداقةٍ صادقة انتهت بسبب فكرةٍ لم تكن حقيقة، وكم من قلبٍ ابتعد لأن الظنون سبقت التوضيح. فالمشكلة في سوء الظن أنه لا يكتفي بتشويه المواقف، بل يشوّه النفوس أيضًا يجعل الإنسان متحفزًا لكل خيبة، مترقبًا لكل خطأ، حتى يفقد قدرته على رؤية الخير فيمن حوله

ولذلك جاء الإسلام محذرًا من سوء الظن، لما فيه من فسادٍ للقلوب وقطعٍ للمودة بين الناس، فقال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ فحسن الظن لا يعني السذاجة، بل يعني سلامة القلب، والقدرة على التماس الأعذار، وعدم بناء الأحكام على الوهم والشكوك.

وقد قيل عن أحد الأعراب أنه قال:
“والله لو رأيتُ لحيةَ أخي تقطر خمرًا، لقلتُ: لعلّه سُكب عليه، ولو رأيتُه فوق جبلٍ يقول: أنا ربكم الأعلى، لقلتُ: لعلّه يتلو القرآن.”

وفي هذه الكلمات معنى عظيم فصاحب القلب النقي لا يسبق الناس بالتهم، ولا يبني أحكامه على الظنون، بل يلتمس العذر ما استطاع، ويؤمن أن الحقيقة أوسع مما تراه العين لأول وهلة. فكم من علاقةٍ هدمها الشك، وكم من قلبٍ أفسدته الظنون قبل أن تفسده الحقائق..
التعليقات