×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

كيف يترك الغياب تفاصليه الصغيرة

كيف يترك الغياب تفاصليه الصغيرة
بقلم / عبادل الشمراني 
.
بدأت تتسلل رويدًا رويدًا حتى ودعت القمر بلا عناقٍ طويل واحتضنت السماء بنورها المشع على ارضها ومن عليها ثم انسكب الضوء في اتساعه ، يملاء الجهات الاربعه كأن الليل يذوب كذوبان الثلج على مهلاً في يد الفجر ، لكن شيئًا منه ظل يزحف بهدوء ، يتسلل إلى نافذتي ، كان الغياب لم يكتفي بالرحيل ، بل أراد ان يترك ظله في الزجاج وفي انتظاري.

في لحظة الغروب، حين يتراجع الضوء عن السماء، لا ينتهي النهار فجأة، بل يتحول العالم إلى طبقات من السكون. الألوان تفقد حدّتها، والملامح تصبح أكثر هدوءًا، وكأن كل شيء يستعدّ لرحيلٍ غير معلن. ومع ذلك، يبقى أثرٌ خفيف يرفض الاختفاء الكامل، كأن الضوء يترك وراءه توقيعًا غير مرئي على الأشياء، يذكّرنا بأنه كان هنا قبل قليل.

هذا الغياب ليس لحظة انقطاع كما يبدو في ظاهره، بل هو امتدادٌ خفيّ لشيءٍ كان ممتلئًا ثم بدأ يتناقص دون أن ننتبه. لا يغادر الأشياء دفعة واحدة، بل ينسحب منها ببطءٍ شديد، حتى نظن أنه لم يكن حاضرًا أصلًا، بينما هو في الحقيقة كان يملأ كل شيء ثم يترك فراغه بصمتٍ أشد حضورًا من حضوره نفسه.

ومع هذا الامتداد الخفي، لا يبقى الغياب في الخارج فقط، بل يتحول إلى شيء داخلي. يصبح في طريقة النظر، في بطء اللحظة، في المسافة التي تنشأ بيننا وبين ما كان قريبًا. وكأن العالم يعيد ترتيب نفسه بعد كل رحيل، دون أن يعلن ذلك.

ثم يصل الغياب إلى أكثر الأماكن صدقًا، إلى النافذة التي تفصل بين ما كان وما سيكون. هناك لا يعود مجرد فكرة، بل يتحول إلى أثرٍ عالقٍ في الزجاج، وإلى إحساسٍ بأن ما غاب لم يبتعد تمامًا، بل ترك شيئًا منه معنا.

وهكذا لا يكتفي الغياب بأن يغادر، بل يترك خلفه ما يكفي ليبقى حيًّا فينا دون أن نراه؛ أثرًا صغيرًا يكبر كلما حاولنا تجاهله..
التعليقات