×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

العام كنا شباب.. واليوم رؤوسُنا شيب

العام كنا شباب.. واليوم رؤوسُنا شيب
بقلم : عامر آل عامر 
كنا نمرُّ بالأعوام خِفافًا، كأن الزمن طريقٌ بلا حواف، وكأن العمر صفحة لا تُطوى.
كنا نمشي بثقة الذين يصدقون أن الشباب وعدٌ دائم، وأن الحياة تُفتح لنا كل صباح كمدينة لا تنام، نطرق أبوابها بلا خوف، ونحمل أحلامنا على ظهورنا كأنها لا تُثقلنا أبدًا.

كنا شبابًا..
نركض في ميادين الحياة بعنفوان لا يعرف التردد، ونضحك ضحكة لا يشوبها حساب، ونتعلق بالمستقبل كما يتعلّق الطائر بجناحيه.
كنا نؤمن أن الغد لنا، وأن الليل لا يستطيع أن يطفئ نور أرواحنا.
.
ثم مرّت الأيام، ومررنا معها..
تغيرت نظرتنا للأشياء، وتغيّر كل ما حولنا تقريبًا، إلا ذلك الطفل الصغير الذي ما يزال يلوّح لنا من آخر الممر، يذكّرنا بأننا كنّا يومًا أشبه بريحٍ لا تُمسَك.
واليوم رؤوسُنا شيب.
لا لأن الزمن قاسٍ، بل لأننا عشنا بما يكفي لنعرف قيمة كل خطوة.
صار الشيب علامةً لا على انطفاء العمر، بل على اكتمال التجربة.
صار حكمةً تُضيء ما لم يستطع الشباب أن يراه، وصار مرآة صادقة نفهم فيها أنفسنا أكثر مما نفهم العالم.

الشيب ليس نهاية، بل بداية وعي.
هو الصفحة التي يكتبها العمر بيده، بعد أن يفرغ من أولى الفصول المليئة بالاندفاع.
وبه ندرك أن الحياة ليست سباقًا، بل رحلة.
وأن الوقوف أحيانًا لا يعني التراجع، بل يعني أننا نتأمل الطريق بعمق أكبر.

كبرنا نعم،
لكنّ في داخل كل واحدٍ منا فتى لم يفقد دهشته، ولم تطفئ السنوات صوته.
ربما هدأ صخبه، لكنه لم يمت.
وربما تغيّرت ملامحنا، لكن أرواحنا ما زالت تضيء حتى وإن غزت الرؤوس بياضها.
.
فإن كان العام قد أخذ سواد الشعر، فقد منحنا بياض البصيرة.
وإن كانت الأيام طوت صفحات الشباب، فقد فتحت لنا أبواب النضج، وعلّمتنا كيف نبدأ من جديد، وكيف نحمل العمر بخفّة حتى وإن أثقلت التجارب أكتافنا.
وهكذا نقولها بطمأنينة العارف:
العام كنا شباب.. واليوم رؤوسُنا شيب؛ لكن قلوبُنا ما تزال تنبض بالشباب نفسه، فقط بوعيٍ أجمل ونورٍ أعمق.
التعليقات