×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

حين يُسرق انتباهك تُكتب حياتك بيدٍ أخرى

حين يُسرق انتباهك تُكتب حياتك بيدٍ أخرى
بقلم/ محمد احمري 
أراقب كوب قهوتي يبرد ببطء في مساءٍ عادي، بينما يتسلّل إلى ذهني ضجيجٌ خفيّ لا يهدأ. إشعارٌ يلمع وفكرةٌ تقفز ورغبةٌ مألوفة في فتح الهاتف “لدقيقة واحدة” تتحوّل إلى وقتٍ أطول مما أتصور. عندها أدركت أن ما يُسرق منّي ليس الوقت فقط بل الانتباه.

نعيش زمنًا مزدحمًا بالخيارات فقيرًا بالتركيز، حيث تتزاحم الشاشات وتتنافس على وعينا بلا توقف. لم يعد العقل مساحة هادئة للأفكار بل ساحة مفتوحة للتشتّت، تمرّ فيها الرسائل والمقاطع دون أن تستقر أو تنضج.
الانتباه ليس مجرد أداة للإنتاج بل هو شكل من الحضور الإنساني العميق، أن تمنح الشيء وجودك الكامل. لكن حين يتفتّت هذا الحضور نفقد شيئًا من تماسكنا الداخلي ونصبح أقرب إلى من يمرّ بالحياة بدل أن يعيشها.
حتى العلاقات تغيّرت، نصغي بسرعة ونرد بسرعة وننسى بسرعة، فتضعف الروابط ويقلّ العمق. وفي العمل يُقاس النجاح بسرعة الإنجاز لا بعمق الفكرة، فنبدو منشغلين بينما نحن مشتتون.
وهذا التشتّت لا يحدث فجأة بل يتسلل تدريجيًا مع كل إشعار وانتقال سريع بين المهام حتى يصبح التركيز الطويل أمرًا صعبًا.

ومع ذلك يبقى الخيار ممكنًا، ليس بالهروب من العالم بل باستعادة طريقة حضورنا فيه. أن نغلق الإشعارات، نقرأ ببطء، وننصت بصدق هي خطوات بسيطة لكنها تعيد تشكيل وعينا.
فما نمنحه انتباهنا يكبر في داخلنا وما نهمله يذبل. وفي النهاية ليست الحياة ما يحدث لنا فقط بل ما نختار أن ننتبه إليه بوعي..
التعليقات