×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الفقد مرآة التعلّق

الفقد مرآة التعلّق
بقلم / عبادل الشمراني 
نلتقي في زحام هذه الحياة بوجوهٍ كثيرة؛ نأنس ببعضها، ونعبر على بعضها الآخر كما يعبر الغريب أرضًا لا تنتمي إليه. يترك كل لقاءٍ أثره، وتبقى بعض الوجوه عالقة في القلب والذاكرة، بينما يتلاشى بعضها مع الوقت. ونظن أحيانًا أن بعض العلاقات خُلقت للبقاء، غير أن الأيام تكشف بهدوء أن الثبات ليس من طبائع هذه الدنيا، وأن كل ما فيها ماضٍ إلى زوال، ولا يبقى إلا وجه الخالق سبحانه.

نمنح القلوب مساحات واسعة، ونعلّق عليها آمالًا أكبر من حجمها، فنحوّل بعض العلاقات إلى أوطانٍ صغيرة من الأمان والانتظار. نحمل بعض الوجوه أكثر مما تحتمل، فنراها ثابتة لا تتغير، وننسى أنها مثلنا، تخضع لتبدلات الحياة وظروفها.

وحين يحدث الغياب أو التغيّر، لا يكون الألم في الفقد وحده، بل في انهيار الصورة التي رسمناها داخلنا. فالتعلّق في جوهره حاجة إنسانية تبحث عن السند والأمان والفهم، لكنه حين يتحول إلى اعتمادٍ كامل، يصبح مصدرًا للألم بدل الطمأنينة.

نحن نعيش بين رغبةٍ في الحب بعمق، ورغبةٍ في النجاة من الألم، غير أن الحياة لا تمنح هذا التوازن بسهولة، لأن كل قربٍ يحمل في داخله احتمال الفقد. ومع ذلك، لا يكون الحل في الانسحاب من العلاقات، بل في وعيها: أن نحب دون أن نفقد أنفسنا، وأن نعطي دون أن نذوب في الآخرين.

المشكلة ليست في التعلّق ذاته، بل في حدوده غير الواضحة، وفي حجم المعنى الذي نمنحه للآخرين حتى يصبحوا مركز ثقلنا كله. وعندما يختل هذا التوازن، يصبح أي اهتزاز صغير كافيًا لإحداث الانكسار.

يبقى الوعي هو النجاة الحقيقية؛ أن نُدرك أن كل ما نحبّه قابلٌ للتغيّر، وأن الفقد جزء من قانون الحياة لا استثناء فيه. وأن أجمل العلاقات ليست تلك التي لا تنتهي، بل التي نمرّ بها بقلوبٍ متزنة لا تُفقدنا أنفسنا مهما رحلت الأشياء من حولنا..
التعليقات