×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

حين تتعب الأشياء من البقاء…

حين تتعب الأشياء من البقاء…
بقلم / عامر آل عامر 
ثمة لحظةٌ لا تُعلن حضورها، لكنها تنقلب داخل الإنسان كأنها تغيّر شكل الزمن نفسه.
لحظةٌ لا نراها، لكنها تُحَسّ حين نكتشف أن الأشياء التي نظنها ثابتة بدأت تتراجع بهدوء، وكأنها تتخلى عن أماكنها دون ضجيج.

هناك، لا يبدو العالم مختلفًا فجأة، بل يبدو كأنه كان يتغير منذ زمنٍ طويل… ونحن فقط تأخرنا في ملاحظة ذلك.
الأيامُ تلتهم كلَّ شيء…
تأكل الطفولة من ملامحنا،
وتنزع العمر من أعمارنا،
وتسرق العافية من أجسادنا،
وتتسلل إلى الذاكرة فتبعثر تفاصيلها،
وتستبدل الطرقات، وتُبدّل الرفاق.
وأحيانًا…
لا تكتفي بذلك،
بل تمتدّ إلى ما هو أعمق،
فتُنهك المبادئ، وتُتعب القيم،
حتى يغدو الثابتُ غريبًا
في زمنٍ لم يعُد يعرف طعم الثبات.

الأيام لا تأتي كحدثٍ مفاجئ، بل كحركةٍ بطيئة تُعيد نحت الإنسان دون أن تستأذنه.
تأخذ منه ملامح لا يلاحظ أنه فقدها، وتستبدلها بأخرى لا يعرف متى اكتسبها.
حتى يصبح غريبًا عن النسخة التي كان يظنها ثابتة فيه.

الطفولة لا تختفي مرة واحدة، بل تُسحب من التفاصيل الصغيرة:
من الدهشة الأولى، من السؤال بلا خوف، من النظر إلى الأشياء وكأنها لا تزال تُولد كل يوم.

ثم يأتي العمر ليأخذ مكانها، لكنه لا يمنح البديل الكامل، بل يمنح فهمًا زائدًا يُثقل الخفة الأولى.

والصحة… لا تُنتزع دفعة واحدة، بل تتراجع خطوة خطوة،
كما لو أنها لا تريد إزعاج صاحبها، فتغادر بهدوءٍ يشبه المجاملة الأخيرة.
أما الذاكرة، فهي أكثر الأماكن خيانةً ووفاءً في آنٍ واحد.

تحتفظ بما لا نطلبه، وتُسقط ما نظنه أساسًا،
وتعيد ترتيب الماضي بطريقة تجعلنا نشك: هل عشنا كما نتذكر، أم أننا نتذكر بطريقة مختلفة؟
لكن التحوّل الأخطر ليس ما تفعله الأيام بالجسد أو العمر أو الذاكرة،
بل ما تفعله بالمعنى ذاته.

حين تبدأ المبادئ بالتعب، لا تنهار فجأة، بل تتراخى.
تتراجع خطوة صغيرة كل مرة، حتى يصبح الثابت قابلًا للنقاش، ويصبح الواضح محتاجًا إلى تفسير.

هناك، لا يعود العالم كما كان.
ليس لأنه تغيّر فقط، بل لأنه فقد يقينه القديم بأن الأشياء يجب أن تبقى كما هي.

في زمن كهذا، لا يعود الثبات صفة للأشياء، بل فعل مقاومة.

أن تبقى كما أنت، يعني أنك تُعارض تيارًا لا يُرى لكنه يسحب الجميع.
وأن تُمسك بشيء واحد دون أن يتبدل، يعني أنك تخوض حربًا صامتة مع كل ما يريد أن يعيد تشكيلك.

لهذا لا يبقى من العالم الكثير.
يبقى فقط ما لم تستطع الأيام الوصول إليه بالكامل.
ما ظلّ محميًا لا بالقوة، بل بالمعنى.
بذلك الجزء العميق في الإنسان الذي يرفض أن يتحوّل إلى نسخة مُعاد تدويرها من نفسه.

وفي النهاية…
ليس كل ما ينجو يكون أقوى،
بل أحيانًا يكون ما ينجو هو ما عرف جيدًا كيف يُمسك بجوهر الإنسان،
حين تخلّى كل شيء عن شكله الأول.
التعليقات