×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

حين يُوقظنا الماضي

حين يُوقظنا الماضي
بقلم / موضي عوده العمراني 

عندما نقلب شريط الذكريات، لا نفعل ذلك عبثًا، بل كأننا نستدعي جزءًا منّا تركناه هناك… في زمنٍ مضى، أو لعلنا توهمنا أننا طويناه. نبحر في عالمٍ ظنناه نُسي، أو بالأحرى تعمّدنا أن نُنسيه، لأنه كان أثقل من أن نحمله، وأجمل من أن نتجاوزه.

هناك، في تلك الزوايا البعيدة من الذاكرة، تكمن أهم نقاط حياتنا… لحظاتٌ لم تكن عابرة، بل كانت نحن، بكل ما فينا من صدقٍ وبساطة واندفاع.

وفجأة… تتوالى الذكريات.
لا تستأذن، لا تطرق الأبواب، بل تتدفق كمدٍّ عاطفيٍّ جارف، يعيد ترتيب المشاعر في داخلنا، ويُحيي ما ظننا أن السنين قد طمسته. نراها في وجوهٍ تظهر لنا من جديد، أشخاصٍ لم يكونوا مجرد عابرين، بل كانوا مفاتيح لذاكرتنا، يحملون عبق الماضي، ويوقظون في قلوبنا ما خمد… أو ظننا أنه خمد.

هي ليست مسافات المكان من تُبعدنا عنهم، بل مسافات الزمن.
فكم من قريبٍ كان بالأمس بين أيدينا، أصبح اليوم بعيدًا عنا بسنينٍ لا تُختصر، وكم من ذكرى لا تزال تسكن ذات المكان، لكنها لا تعود كما كانت… لأننا نحن لم نعد كما كنا.

نعم… نحن من نتنشق عبق الماضي بهم،
نستعيد تفاصيله من حضورهم، من نبرة صوتٍ، من ملامح لم تتغير كثيرًا، أو ربما تغيّرت بما يكفي لتوجعنا.

هناك حكايات… لا تُكتب، بل تُروى في داخلنا.
حكاياتٌ سُقيت من سنواتٍ مضت، من زمنٍ كان فيه الشعور نقيًا، والحب صادقًا، والحلال منه حاضرًا في القلوب… لكنه لم يجد طريقه إلى البوح.

حبٌ لم يُعبر عنه…
ظل معلقًا بين النية والصمت، بين الرغبة والرهبة، بين ما نشعر به وما لا نستطيع قوله. فصار ذكرى… جميلة حدّ الألم، صامتة حدّ الاكتمال.

وها نحن اليوم، لا نبحث عن عودته بقدر ما نبحث عن أنفسنا فيه.
نفتش بين تفاصيله عن ذاك القلب الذي كان يخفق ببساطة، عن ذاك الشعور الذي لم تلوثه حسابات الواقع، ولا أثقلته تجارب الحياة.

فهل نشتاق إليهم… أم نشتاق إلينا كما كنا معهم؟

ربما لا يعود ما مضى،
لكنّه لا يرحل أبدًا…
يبقى فينا، يزورنا حين نغفل، ويوقظنا حين نظن أننا نسينا .
التعليقات