×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

قانونيون يحذرون: علبة دواء منسية قد تقود ابنك إلى السجن أو المصحة

قانونيون يحذرون: علبة دواء منسية قد تقود ابنك إلى السجن أو المصحة
إعداد وحوار / ذكرى الشبيلي 
انطلاقًا من الدور الريادي لـ "صحيفة الحقيقة"في تبني القضايا المجتمعية الملحة بالمنطقة الشرقية، وبحثا في التفاصيل التي قد تغيب عن ذهن رب الأسرة؛ نفتح اليوم ملفا توعويا وقانونيا في غاية الحساسية.
تلاحظ في الآونة الأخيرة وجود "منطقة رمادية" بين الرعاية الطبية والمسؤولية القانونية، حيث تبرز ظاهرة استخدام الأبناء لأدوية ذويهم دون إدراك للعواقب. هذا الفعل الذي قد يبدو "بسيطًا" في نظر الأسرة، قد يضع الابن تحت طائلة قضايا التعاطي، ويضع الأهل في مواجهة تهم الإهمال.
ولتسليط الضوء على هذه الجوانب، استضفنا في مكتبنا بالشرقية المحامي والخبير القانوني الأستاذ عبد الله الناشري، ليجيب على تساؤلاتنا ويضع النقاط على الحروف في هذا الحوار الخاص.

التكييف القانوني للفعل

ذكرى الشبيلي: من وجهة نظر القانون، كيف نُصنف قيام الابن بأخذ دواء "خاضع للرقابة" يخص والده؟ هل تُعتبر سرقة أم تعاطي أم سوء استخدام؟
التكييف القانوني لهذا الفعل يختلف تبعاً لقصد الحيازة والغرض منها والنتيجة المترتبة عليها. فإذا قام الابن بأخذ دواء خاضع للرقابة دون علم والده بقصد استعماله الشخصي، فإن الفعل يكيف في الغالب على أنه حيازة مادة مخدرة أو مؤثر عقلي بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي وفق أحكام نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، ولا ينظر إليه في هذه الحالة بوصفه مجرد واقعة سرقة، لأن العبرة في التكييف النظامي بطبيعة المادة المضبوطة وما يترتب على حيازتها من آثار نظامية
أما إذا ثبت أن الاستيلاء على الدواء كان بقصد بيعه أو ترويجه أو حتى إهدائه للغير، فإن الوصف النظامي يتغير ليصبح حيازة بقصد الترويج أو الاتجار، وهي جريمة أشد خطورة من حيث الوصف والعقوبة.
ويجدر التنبيه إلى أن الترويج في مفهوم النظام لا يقتصر على البيع أو المقابل المالي، بل يشمل كذلك التوزيع أو الإهداء أو تمكين الغير من الحصول على المادة المخدرة أو المؤثر العقلي بأي صورة من الصور.
إذ قد نصت المادة (38) من نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية على معاقبة كل من حاز مادة مخدرة أو مؤثراً عقلياً بقصد الاتجار أو الترويج بمقابل أو بغير مقابل بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تزيد على خمس عشرة سنة، إضافة إلى الجلد والغرامة المالية. ومفاد ذلك أن الإهداء أو التمكين المجاني للغير من المادة المخدرة يعد في حكم الترويج نظاماً، ولو لم يتحقق مقابل مادي.
ومن ثم فإذا قام الابن الذي استولى على الدواء المدرج ضمن الجداول الرقابية بإهدائه أو إعطائه لشخص آخر، فإن فعله يندرج في نطاق تطبيق المادة المشار إليها، ويعد حيازة بقصد الترويج، لا مجرد حيازة بقصد التعاطي، وهو ما يترتب عليه اختلاف جوهري في الوصف النظامي والعقوبة.
أما إذا ثبت أن الحيازة كانت بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي فقط دون أي صورة من صور الترويج أو التداول، فإن العقوبة تكون وفق المادة (41) من نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، والتي تقضي بالسجن مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنتين لكل من ارتكب أحد الأفعال الجرمية المنصوص عليها في المادتين (37) و(38) وكان ذلك بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي في غير الأحوال المصرح بها نظاماً.
وفي بعض الحالات قد يضاف إلى ذلك وصف الاستيلاء على مال الغير متى توافرت أركان جريمة السرقة، إلا أن التكييف القانوني الغالب يظل مرتبطاً بطبيعة الدواء ذاته بوصفه مادة خاضعة لتنظيم نظامي خاص، وما يترتب على ذلك من قيود صارمة تتعلق بالحيازة والتداول، وهو ما يجعل القصد من الحيازة عاملاً حاسماً في تحديد الوصف الجرمي والعقوبة المقررة نظاماً.

ذكرى الشبيلي: هل هناك فرق في العقوبة بين الأدوية العادية (كالمضادات الحيوية) والأدوية النفسية أو "المجدولة"؟
*نعم هناك فرق جوهري بين النوعين فالأدوية العادية لا تخضع في الأصل لنظام جزائي خاص، وإنما تندرج المخالفة فيها ضمن مخالفة الأنظمة والتعليمات المنظمة لصرف الأدوية، كصرفها دون وصفة طبية صادرة من مختص، أو إساءة استخدامها بما قد يترتب عليه إضرار بالغير.
أما الأدوية النفسية أو الأدوية المصنفة ضمن الجداول الخاضعة للرقابة، فإنها تخضع لتنظيم نظامي صارم، ويترتب على حيازتها أو تعاطيها دون وصفة طبية نظامية مسؤولية جزائية وفق الأنظمة ذات العلاقة، قد تصل إلى السجن أو الإحالة إلى برامج العلاج الإلزامي، وذلك بحسب ظروف كل قضية وملابساتها وسوابق المتهم، فضلاً عن تقدير الجهة القضائية المختصة لمدى توافر القصد والغرض من الحيازة.

ذكرى الشبيلي: في حال ضبط شاب بحوزته أدوية تخص والديه، ما هي الإجراءات القانونية الأولية التي تتخذ بحقه؟
يحال الأمر ابتداءً إلى جهة الضبط المختصة للتحقق من نوع الدواء المضبوط وما إذا كان من المواد الخاضعة للرقابة النظامية، وكذلك التحقق من مصدره وطريقة الحصول عليه. كما يتم استجواب الابن حول ملابسات الحيازة والغاية منها. فإذا تبين أن الدواء يندرج ضمن الأدوية أو المواد المنظمة نظاماً، يُحال إلى جهة التحقيق المختصة تمهيداً لإحالته إلى المحكمة المختصة، وذلك لاستظهار القصد من الحيازة وتحديد طبيعتها، وهل كانت الحيازة قد تمت في إطار مشروع كشراء الدواء لأحد الوالدين بموجب وصفة طبية معتمدة، أم أنها حيازة بقصد الاستعمال الشخصي أو بقصد الترويج أو التداول غير المشروع، إذ يختلف التكييف القانوني والعقوبة تبعاً لثبوت القصد والغرض من الحيازة.
مسؤولية الأهل والتبعات الجنائية

ذكرى الشبيلي: متى يقع الأهل تحت طائلة "الإهمال" قانونياً؟ وهل يمكن توجيه تهمة التقصير للوالدين إذا تسبب الدواء بضرر للابن؟
بداية يجدر الإشارة إلى تعريف الطفل* الخاضع لرقابة والديه ،وهو كما عرفته المادة الأولى من نظام حماية الطفل، يعتبر طفلاً كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، ويستند التكييف القانوني لمسؤولية الوالدين أو من يقوم على رعاية الطفل على هذا التعريف، إذ أن الواجبات القانونية لحماية الطفل والإشراف عليه تسري على كل شخص دون الثامنة عشرة، و تقوم مسؤولية متولى الرقابة قانوناً إذا ثبت علمهم بطبيعة الدواء وخطورته، وعدم اتخاذهم الاحتياطات المعقولة لحفظه في مكان آمن بعيداً عن متناول الأبناء، فالأصل أن من يحوز أدوية خاضعة للرقابة أو ذات تأثير قوي يلتزم باتخاذ التدابير اللازمة لمنع إساءة استخدامها أو وصول غير المصرح لهم إليها ، وقد أكد نظام حماية الطفل هذا الالتزام؛ إذ نصت المادة (3) منه على أن من صور الإيذاء أو الإهمال تعريض الطفل لأي فعل أو تصرف من شأنه أن يهدد سلامته أو صحته الجسدية أو النفسية، *كما نصت المادة (15) على أن والدي الطفل أو من يقوم على رعايته مسؤولون في حدود إمكاناتهم المالية وقدراتهم عن تربيته وضمان حقوقه، والعمل على توفير الرعاية اللازمة له وحمايته من الإيذاء والإهمال ، ومن ثم فإذا ثبت أن إهمال الأهل في حفظ الدواء مكن الطفل من الوصول إليه واستعماله بما ترتب عليه ضرر صحي أو نفسي، فقد يندرج هذا الفعل ضمن صور الإهمال أو الإيذاء التي يعتد بها النظام، وقد رتب النظام على ذلك مسؤولية جزائية؛ إذ نصت المادة (23 مكرر) على معاقبة كل من يرتكب فعلاً يشكل جريمة من أفعال الإيذاء بالسجن مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تزيد على مائة ألف ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين، مع جواز الحكم بعقوبات بديلة عن العقوبات السالبة للحرية، وتكون العقوبة أشد إذا اقترنت الجريمة بظروف مشددة، فتصل السجن إلى خمس سنوات والغرامة إلى خمسمائة ألف ريال .

ذكرى الشبيلي: إذا قام الابن بتوزيع هذه الأدوية على أصدقائه، هل يتحمل صاحب الوصفة الأصلي (الأب أو الأم) جزءاً من المسؤولية؟
الأصل أن المسؤولية في توزيع الأدوية أو الترويج لها شخصية وتقع على من قام بالفعل مباشرة، سواء كان الابن أو أي شخص آخر، ومع ذلك إذا ثبت أن صاحب الوصفة الأصلية (الأب أو الأم) أهمل في حفظ الدواء أو علم بإمكانية إساءة استخدامه ولم يتخذ التدابير اللازمة لمنعه، فقد يسأل عن تقصير في واجب الحفظ والرعاية ،ومن ثم **يكون الابن مسؤولاً مباشرة عن فعل التوزيع أو الترويج، بينما يتحمل الوالدان المسؤولية جزئياً فقط إذا ثبت الإهمال في حفظ الدواء أو تقصيرهم في اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة، بما يتوافق مع أحكام نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية ونظام حماية الطفل، وينظر في مدى توافر العلاقة السببية بين التقصير والنتيجة الضارة.

ذكرى الشبيلي: كيف يحمي القانون "الأدوية المجدولة" داخل الأسرة؟ وما هي الالتزامات القانونية على المريض تجاه أدويته؟
النظام يلزم بصرف الأدوية المجدولة حصراً بوصفة طبية نظامية، ويمنع تداولها أو نقلها للغير بأي صورة. كما يفرض على المريض الالتزام بحفظ الدواء في مكان آمن بعيداً عن متناول الآخرين، وعدم تمكين أي شخص من استخدامه، وعدم إعادة تداوله أو بيعه أو التبرع به، ويترتب على مخالفة هذه الالتزامات مسؤولية قانونية مباشرة أو غير مباشرة، فقد تعد المشاركة أو التسهيل في وصول الدواء للغير اشتراكاً غير مباشر في الجريمة إذا ترتب على ذلك ضرر أو إساءة استخدام، بما يتوافق مع أحكام نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية ونظام حماية الطفل.
من واقع المحاكم.. الثغرات والوقاية

ذكرى الشبيلي: هل واجهت في أروقة المحاكم قضايا كان فيها "جهل القانون" ذريعة للأبناء أو الآباء؟ وكيف تعامل القضاء معها؟
نعم، كثيراً ما يدفع البعض بجهل النظام، لكن القاعدة القانونية الثابتة تقول إن الجهل بالقانون لا يعفي من المسؤولية ، وينظر القضاء في مثل هذه القضايا إلى الوقائع، والنية، والنتائج، وقد يخفف العقوبة في بعض الحالات، لكنه لا يسقطها بمجرد الادعاء بعدم العلم.
وفي هذا السياق، وردت حادثة لأحد الوافدين الذي كان يحمل معه دواءً علاجياً عند دخوله المملكة العربية السعودية، ليكتشف عند تفتيشه في المطار أن الدواء يحتوي على مواد مدرجة ضمن الجداول الخاضعة للرقابة. حاول الشخص الدفاع عن نفسه بالقول إنه كان يجهل تصنيف الدواء ونظام المملكة، إلا أن هذا الجهل لم يعفِه من المسؤولية القانونية أو العقوبة، وتبرز هذه الواقعة أهمية التحقق المسبق من وضعية أي دواء قبل السفر، والتأكد من أن الأدوية المسموح بتداولها في بلد المنشأ مسموح بها في المملكة، خاصة إذا كانت تحتوي على مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية، كما ينصح بحمل وصفة طبية معتمدة وموثقة من وزارة الخارجية قبل القدوم إلى المملكة، لتجنب أي مساءلة قانونية قد تصل إلى اتهام تهريب مواد خاضعة للرقابة.

ذكرى الشبيلي:بناءً على القضايا التي تمر عليك، ما هي أكثر أنواع الأدوية التي تساء معاملتها قانونياً داخل المنازل حالياً؟
*الأكثر شيوعاً في حالات سوء الاستخدام داخل المنازل هي بعض الأدوية النفسية المهدئة، وأدوية علاج اضطراب فرط الحركة، والمسكنات القوية المصروفة بوصفات طبية خاصة، وغالباً ما يتم إساءة استخدامها بدافع التجربة أو البحث عن تأثير نفسي معين، ما يعرض المتعاطي ومحيطه لمخاطر صحية وقانونية كبيرة، إذ تخضع هذه الأدوية لنظام صارم يقيد الحيازة والتداول، وأي استخدام أو توزيع دون وصفة أو في غير الحالات المصرح بها قد يترتب عليه مسؤولية جزائية وفق نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية.
*
ذكرى الشبيلي: ما هي نصيحتك القانونية للأهالي الذين يمتلكون أدوية "حساسة" في منازلهم لتجنب المساءلة؟
نصيحتي القانونية للأهالي الذين يمتلكون أدوية "حساسة" في منازلهم لتجنب أي مساءلة قانونية هي كالتالي:
1- حفظ الأدوية في أماكن مغلقة وآمنة وبعيداً عن متناول الأبناء أو أي أشخاص آخرين، خصوصاً القصر، لضمان منع أي استخدام غير قانوني أو إساءة استغلال.
2- توعية الأبناء بخطورة العبث بالأدوية أو استخدام أي دواء دون استشارة طبية، وشرح العواقب القانونية والصحية المترتبة على التعاطي أو التوزيع غير المشروع.
3- التخلص الآمن من الأدوية غير المستخدمة عن طريق الجهات المعتمدة والمخصصة لذلك، لضمان عدم وصولها للغير أو تداولها بطريقة تخالف الأنظمة، بما يتوافق مع أحكام نظام مكافحة المخدرات ونظام حماية الطفل.

العقوبات والآثار المستقبلية
ذكرى الشبيلي: كيف تؤثر قضية من هذا النوع على "الصحيفة الجنائية" للشاب مستقبلاً، حتى لو كان الفعل نابعاً من مجرد فضول؟
*وجود سابقة في قضايا التعاطي أو حيازة أدوية خاضعة للرقابة قد يترك أثراً على السجل الجنائي للشاب، حتى لو كان الفعل نابعاً من الفضول أو التجربة الشخصية ، هذا الأثر قد يظهر في عدة مجالات، مثل فرص التوظيف، القبول في بعض الجهات الحكومية أو التعليمية، وحرية السفر أحياناً، وحتى في حال صدور حكم مخفف أو الاكتفاء بإجراء العلاج الإلزامي، فإن تسجيل الواقعة في السجل الجنائي قد يظل قائماً قانونياً ما لم تُطبق إجراءات محو السوابق وفق الأنظمة المعمول بها، ما يجعل من الضروري الانتباه لأي آثار مستقبلية محتملة للفعل، بغض النظر عن النية الأولية للمتهم.

ذكرى الشبيلي :في حال أدى تناول الدواء إلى وفاة أو عجز (لا قدر الله)، كيف يتغير المسار القانوني للقضية ضد الأهل أو الصيدلية؟
في حال أدى تناول الدواء إلى وفاة أو عجز دائم (لا قدر الله)، يتغير المسار القانوني للقضية بشكل كبير:
1- إذا ثبت أن الوفاة أو العجز نتج عن إهمال جسيم في حفظ الدواء من قبل الأهل، فقد تثار مسؤولية جنائية مباشرة ضدهم، نظراً لتقصيرهم في واجب الحفظ والرعاية الذي يترتب عليه ضرر جسيم للطفل أو المتعاطي.
2- أما الصيدلية، فتسأل إذا ثبت أنها صرفت الدواء بالمخالفة للأنظمة أو دون وصفة طبية نظامية، أو لم تتخذ التدابير القانونية المتعارف عليها عند صرف الأدوية الخاضعة للرقابة.
3- في جميع الحالات، تحال القضية إلى الجهات القضائية المختصة للنظر في توافر أركان المسؤولية الجنائية أو المدنية، وتحديد الجزاءات والعقوبات المناسبة وفق الأنظمة المعمول بها، بما في ذلك نظام مكافحة المخدرات ونظام حماية الطفل، وما يترتب على ذلك من تدابير احترازية أو علاجية إلزامية إذا اقتضت الواقعة.

في نهاية هذا اللقاء، تؤكد*"صحيفة الحقيقة"* أن حماية الأبناء تبدأ من الوعي بالأنظمة والقوانين.
نشكر ضيفنا الكريم الأستاذ عبد الله الناشري على ما قدمه من إيضاحات قانونية تهدف لحماية المجتمع واستقراره.
التعليقات