×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الدرعية.. حيث بدأ الضوء ونهضت الحكاية

الدرعية.. حيث بدأ الضوء ونهضت الحكاية
بقلم / حسين أحمد الألمعي 
يوم التأسيس لم يكن تاريخًا يُروى فحسب، بل جذوة تتقد في الذاكرة، وصوت أرضٍ تنادي أبناءها.
لم يكن صفحة تُعلَّق على جدار الزمن، بل وترًا خفيًا في قلب الوطن؛ إذا لامسته الريح اهتزّت له الأرواح.

هنا بدأت الحكاية.
خطوة صادقة انحنى لها الرمل احترامًا، وتعلّمت الصحراء كيف تنبت دولة من عزيمة رجل، وكيف تُصاغ من الهدوء ملحمة كاملة المعنى.

هناك في الدرعية، لم تكن البيوت طينًا وحجارة، بل قناديل تشعّ في العتمة يوم نهض الإمام محمد بن سعود عام 1727م (1139هـ).

لم يحمل سيفًا فقط، بل يقينًا بحجم السماء، وإيمانًا بأن أرضًا صبرت طويلًا، تستحق دولة تليق بصبرها، وتليق بذلك الوعد المكتوب على رمال الجزيرة، المزروع جذورًا عميقة لا تقتلعها الرياح ولا الزوابع.

كانت الخطى الأولى تمشي بثبات، كأنها تدرك أن وراءها أجيالًا ستتفيأ ظلها، وترى في كل حبة رمل حكاية، وفي كل نخلة شاهدًا، وفي كل نسمة آتية من عمق التاريخ رسالةً تقول: هنا بدأ الضوء.

لم يكن يوم التأسيس وليد صدفة، بل ثمرة صبر صاغته السنون، ووعيٍ أدرك أن الوحدة ليست شعارًا، بل قدرًا يُصنع.
ومن ذلك الضوء اشتعلت مسيرة امتدت قرونًا، حتى جاء الملك عبدالعزيز آل سعود فجمع الشتات كما يجمع القلب نبضاته، ووحّد الأرض كما يوحّد الحلم ملامحه عام 1932م (1351هـ).

إن احتفالنا بيوم التأسيس ليس لحظة عابرة، بل وقفة تأمل أمام مرآة الزمن، ينعكس فيها وجوه الآباء، وعرق البنّائين، وصبر الأمهات، ودعوات صاعدة في ليالٍ قاسية كانت تهيّئ للفجر مكانه.

فالأمن الذي نعيشه اليوم ليس ظلًا طارئًا، بل شجرة ضاربة الجذور، سُقيت بوفاء رجالٍ حملوا الوطن أمانة.

في هذا اليوم، نرتدي تاريخنا كما يُرتدى الشرف؛ لا للتباهي، بل لاستحقاقه.

نرفع رؤوسنا لأن خلفنا جذورًا لا تنكسر، وأمامنا آفاقًا لا حد لها.
فنحن لسنا أبناء اللحظة، بل أبناء الحكاية… حكاية بدأت من طين الدرعية وارتفعت حتى لامست الغيم.

اليوم نستحضر ملامح بلدة اسمها الدرعية؛ لم تكن قرية عابرة، بل فكرة وُلدت في صمت الصحراء، هناك بدأ النبض، وتكوّن المعنى، وتشكلت الملامح الأولى حين تعانق الأمس واليوم.

ونحن نقف اليوم احترامًا للتاريخ، وللوفاء والعزم والصبر الذي صاغ الوحدة من التباعد، وجمع الشتات في كيان واحد، فإننا نُشهد التاريخ أن المسيرة تمضي بخطوات ثابتة نحو المستقبل، في سلسلة عنوانها الاستمرار.

سلامٌ على وطن يسكننا كما نسكنه.
سلامٌ على يومٍ أعاد للتاريخ صوته، وللجذور مكانتها، وللأجيال يقينها بأن المجد لا يُستعار ولا يُباع.

سلامٌ على يومٍ أعاد للزمن معناه، وللأرض هيبتها، وللوطن اسمه الذي لا يختصر في جغرافيا، بل يتسع ليكون قدرًا وهويةً ونبضًا لا ينطفئ.
التعليقات