×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

حين يتطهّر الإنسان بالصيام

حين يتطهّر الإنسان بالصيام
بقلم / عامر آل عامر 
الصيام ليس حدثًا عابرًا يدخل في سجل العبادات، بل هو لحظة كبرى تتوقف فيها النفس عن الركض، وتلتفت لأول مرة نحو الداخل، نحو ذلك الفراغ الذي نملؤه طوال العام بالصخب، والاندفاع، والتبرير، والبحث عن شيء لا نعرفه.
هو انحناءة خفية من الروح أمام خالقها، وطلبٌ عميق للتخفف من الأعباء التي التصقت بنا حتى صرنا نحسبها جزءًا منّا.
. في الصيام، يجوع الجسد… لكن الروح هي التي تُختبر.
يجفّ الفم… لكن القلب هو الذي يُمتحن.
تُحجب الشهوات الظاهرة… لكن الشهوات الخفية هي التي تُكشف:
شهوة الحديث عن الآخرين.
شهوة الاعتداء على حقوقهم.
شهوة إهانة من هو أضعف.
شهوة التفاخر بما نملك وما نفعل.
وشهوة إخفاء الأخطاء خلف الأقنعة التي نرتديها طوال السنة.

الصيام الحقيقي ليس صمتًا عن الطعام، بل صمتًا عن التشويه.
تشويه القلوب.
تشويه العلاقات.
تشويه الصورة التي تظهر بها الروح أمام الله.
إن من صام عن الماء ولم يصم عن الظلم، يشبه من يغسل يديه ثم يلطخ روحه، ويظن أنه خرج نظيفًا.
. إن أعظم ما في الصيام أنه يعيد ترتيب داخل الإنسان…
يعلمه أن النقاء ليس كلمة، بل قرار.
أن الصدق ليس عادة، بل مبدأ.
أن الطهارة ليست امتناعًا عن الحرام فحسب، بل امتناعًا عن إيذاء العباد ولو بنظرة احتقار أو كلمة استصغار.

في الصيام يتعلم الإنسان أن الامتناع قوة، وأن كبح النفس أصعب من كبح الجسد، وأن الإنسان الذي ينتصر على داخله أعظم من الإنسان الذي ينتصر على العالم كله.
. وفي هذا الشهر المبارك يكتشف الإنسان كتفًا لروحه كان لا يعرف وجوده…
كتف اسمه: الصبر.
وكتف آخر اسمه: الرضا.
وكتف ثالث اسمه: السلام الداخلي.
هذه الكتوف الثلاثة تحمل القلب عندما يتعب، وتمنعه من السقوط في هاوية الحقد والأذى والغضب.

فالصيام ليس جوعًا يزول، بل درسًا يبقى، يلقّن الروح معنى الهدوء في زمن يمتلئ بالضجيج.
. ومن عمق الصيام تتجلى حقيقة أخرى لا يشعر بها إلا من جرّبها…
أن النفس حين تُحرم من الشهوات، يبدأ العقل بحصاد الحكمة.
وحين يصمت اللسان عن الغيبة، تبدأ القلوب بالحديث مع الله.
وحين يبتعد الإنسان عن الحرام، يقترب من السلام الذي ظلّ يبحث عنه في كل مكان ولم يجده إلا حين سكنت روحه.

إن الصيام لا يربي الإنسان فقط، بل يفضحه.
يفضح ما أخفاه طوال العام تحت طبقات من الادّعاء.
يكشف أيّ وجه نُظهره للناس، وأيّ وجه نُخفيه عن أنفسنا.
ومن كانت له شجاعة مواجهة نفسه في رمضان، كانت له شجاعة أن يولد من جديد بعده؛
مولد بلا حقد، بلا ثقل، بلا تراكمات، بلا جراح قديمة لا تشفى.

وفي ختام الشهر، لن يُسأل الإنسان: كم ساعة جعت؟
بل يُسأل: كم مرة انتصرت على نفسك؟
كم كلمة أمسكتها قبل أن تُؤذي؟
كم ظلمًا تركته ولو كان صغيرًا؟
كم بابًا للخير فتحته؟
كم عقدة في قلبك حللتها؟
وكم مرة اخترت الرفق بينما كان القسوة أسهل؟

الصيام ليس شهرًا لتهذيب الجسد، بل لتهذيب الإنسان كله.
هو موسم تتعرّى فيه الأرواح أمام ربها، فتُشفى، وتتخفف، وتعود إلى حقيقتها الأولى… تلك الحقيقة التي ضاعت وسط مشاغل الحياة، ثم وجدتها الروح حين صامت.

فيا صائم…
لا تبحث في صيامك عن جوعك، بل ابحث عنك أنت.
ابحث عن ملامحك الجديدة، عن صوتك الداخلي وقد أصبح أصدق، وعن قلبك وقد عاد يشبه قلبًا خُلق ليكون نقيًا لا مُثقلًا.
تذكّر أن رمضان ليس ليصنع منك صائمًا فقط، بل إنسانًا أفضل… وإنسانًا أنقى… وإنسانًا يعرف أن القيمة ليست في ما يُظهره، بل في ما يحمله في أعماقه.
التعليقات