×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

على حافة الضوء… حيث تتعلّم الأرواح سرَّ بقائها

على حافة الضوء… حيث تتعلّم الأرواح سرَّ بقائها
بقلم : عامر آل عامر 
ثمة نقطة خفية في حياة كل إنسان، يصل إليها حين يظن أنّ الطريق انتهى، فإذا بالطريق يبدأ من جديد.
إنها اللحظة التي يتساوى فيها الضوء والظل في داخلنا، فلا نعرف هل نحن مقبلون على بداية، أم مودّعون نهاية، أم نعيد خلق أنفسنا بعيدًا عن كل ما ضاع.

نحن لا نبحث عن الحقيقة لأننا نعرفها، بل لأننا نخشى أن نعترف بها. فالحقيقة غالبًا ليست ما نريد سماعه؛ إنها ما نحتاج مواجهته.
ولهذا، كلما اقتربنا من أعماقنا، اكتشفنا أن الشجاعة ليست في رفع الصوت، بل في الإصغاء للصوت الذي نخنقه منذ سنوات.
هناك أشياء لا يعلّمها الزمن، بل يوقظها.
كأن يوقظ فيك دهشة كانت نائمة منذ الطفولة، أو خوفًا كنت تتظاهر بأنك تجاوزته، أو رغبة قديمة لم تجد لها توقيتًا مناسبًا.
والعجيب أن الزمن لا يأتي ليعتذر، بل يأتي ليكشف:
يُريك كيف خذلك من وثقت به، وكيف أنقذك من لم تلتفت إليه، وكيف كنت أنت عدوّ نفسك يومًا، ودواءها يومًا آخر.
إن كل خطوة نمشيها نحو أنفسنا هي مغامرة.

فالإنسان لا يواجه العالم حين يتغيّر، بل يواجه صورته القديمة التي تحاول جذبه للوراء.
لكن الأعماق لا تستقبل المترددين؛ من أراد أن يُعاد تشكيله لابد أن يسمح لنفسه أن يتهشّم أولًا، أن يتعرّى من الصورة التي حافظ عليها طويلًا، وأن يقف أمام مرآته بلا خداع، بلا بطولة مصطنعة، بلا خوف من الانهيار.

فثمة انهياراتٍ تستحق الامتنان، لأنها كانت الطريق الوحيد لنرى ما أخفيناه.
وثمة خساراتٍ جاءت لا لتأخذ منا، بل لتعيدنا إلينا.

لقد خلق الله في داخل كل إنسان مساحة ظل ومساحة نور، وتركه بينهما ليدرك أن الحياة لا تُعاش كلها في ضوءٍ ساطع، ولا في ظلامٍ مطبق، بل في المسافة التي تختبر صدقنا مع أنفسنا.
المسافة التي نقول فيها: لقد تعبت… ولكنني ما زلت واقفًا.

وفي نهاية كل حكاية، لا يهمّ كم عبرنا من الألم، ولا كم مرّ علينا من أشخاص، بقدر ما يهمّ أننا خرجنا من التجربة ونحن نعرف أنفسنا أكثر.
فالذين اكتشفوا أعماقهم لن يعودوا كما كانوا؛ هؤلاء يسيرون بثقة هادئة، كأنهم يحملون في صدورهم سرًّا لا يعرفه أحد…
سرّ أنهم وصلوا إلى حافة الضوء، ولم يسقطوا.
التعليقات