×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

متى ألقاكم؟

متى ألقاكم؟
بقلم : عامر آل عامر 
هناك طرقٌ لا تعود بنا إلى الأماكن، بل تعود بنا إلى الأشخاص… إلى أولئك الذين علّمونا أن العمر لا يُقاس بالسنوات، بل بالوجوه التي مرّت في حياتنا وتركَت بداخلنا ضوءًا لا ينطفئ.

وأنتم رفقاء الماضي الجميل كنتم الضوء الذي تعلّم القلب منه معنى الدفء، ومعنى الصدق، ومعنى أن يكون الإنسان محاطًا بمن يشبهونه نقاءً وأثرًا.

أسأل نفسي كثيرًا: متى ألقاكم؟
ليس السؤال حنينًا فقط؛ بل هو رغبة في استعادة الجزء الأجمل من نفسي، ذلك الجزء الذي بقي معكم هناك… في الطرقات التي شهدت خطواتنا الأولى، في الجلسات التي امتلأت بضحكات لا تنسى، وفي اللحظات التي مرت بسيطة لكنها حفرت في الروح عمقًا لا يمحوه الزمن.

أشتاق إليكم كما يشتاق القلب لشيء لا يعرف كيف يصفه ولا يستطيع أن ينساه.

أشتاق لتلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تبدو عادية في وقتها، لكنها اليوم تلمع في الذاكرة كأنها كنوز مخفية.

أشتاق لأحاديثكم العفوية التي كانت تضيء يومي، ولملامحكم التي لم تتغيّر في مخيلتي رغم تغيّر العمر كله.

أشتاق للطرقات التي سرنا فيها بلا خوف من الغد،
وللأماكن التي احتضنت وحدتنا الأولى،
وللأيام التي كانت تكفينا فيها أبسط الأشياء،
ويكفينا فيها أن نكون معًا… فقط معًا.

رفقاء الماضي الجميل…
أتذكر وجوهكم بوضوح لا يشبه وضوح الذاكرة، بل وضوح القلب.

كأن لكل واحدٍ منكم صندوقًا صغيرًا داخل روحي، كلما فتحته خرج منه عطر الأيام التي لا تعود.

أتذكر الطرفة التي كنتم تكررونها حتى ينهكنا الضحك.

وأتذكر كيف كنا نرمي همومنا على الطاولة، ثم ننسى أننا كنا مهمومين أساسًا.

أتذكر صمتنا حين كنّا نكتفي بنظرة تفهم كل شيء.

وأتذكر صوت المواقف التي صنعت بيننا رابطًا لا يمكن أن يقطعه الزمن مهما طال.
واليوم…
حين أمشي وحدي، أشعر أن الخطوات التي كانت تمشي إلى جانبي ما زالت هنا.

وحين أسمع ضحكة تشبه ضحكتكم، يلتفت قلبي قبل رأسي.
وكلما مرّ يوم جديد، أدرك أن شيئًا من العمر ضاع حين تفرقت الطرق، وأن الحنين إليكم ليس اختيارًا، بل جزء من تكويني.

رفقاء الماضي الجميل،
لقد تركتم في داخلي أثرًا لا يُشبه أحدًا،
أثرًا يصعب وصفه، وأسهل شيء هو الشعور به.

فمتى ألقاكم؟
متى يجمعنا الله على طاولة لا نعد فيها السنين التي غبناها، بل اللحظات التي عاد فيها القلب إلى مكانه؟
متى نعيد فتح دفاتر الأيام التي لم ننتبه حينها أنها ستصبح أجمل ما في عمرنا؟
ومتى يعود كل شيء كما كان… ولو لساعة واحدة فقط؟
إلى أن يأتي ذلك اللقاء،
سأظل أردد السؤال الذي لا يشيخ:
متى ألقاكم؟
التعليقات