×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

البكاء على الأطلال… حوار صامت بين القلب والغياب

البكاء على الأطلال… حوار صامت بين القلب والغياب
بقلم : عامر آل عامر 
لا يولد البكاء على الأطلال من ضعف، بل من فائض قوّة؛ قوّة الذاكرة حين تعاند النسيان، وقوّة القلب حين يصرّ على أن ما مضى لم يمت، بل تغيّر شكله فقط.

فالأطلال ليست حجارة، بل مرايا زمنٍ رحل وبقي صداه معلّقًا في الهواء.
يبدأ البكاء على الأطلال عادةً من سؤال صغير:
هل كان كل ذلك حقًا؟
لكن هذا السؤال المتهدّج ما يلبث أن يفتح أبوابًا أوسع، كأن الذاكرة نفسها تنهض من سباتها لتُعيد ترتيب المشاهد القديمة لا كما كانت، بل كما شعرت بها الروح في لحظتها الأولى.

هناك لحظات، حين يقف الإنسان أمام أطلاله، يشعر أن المكان يبادله النظرات.
كأن الجدار المتهدّم يقول:
“أنا لم أسقط… أنت الذي ابتعدت.”
وكأن العتبة الخالية تهمس له بأن خطواته لا تزال محفوظة فوق ترابها، وأن الرحيل كان قرارًا لم يفهمه المكان بعد.

البكاء على الأطلال ليس في الحقيقة بكاءً على الحجر، بل على النسخة القديمة منّا التي تركناها هناك؛ على الضحكات التي لا تزال عالقة في الهواء، على الوعود التي انطفأت دون أن تُعلن نهايتها، وعلى أحلام كانت أكبر منا قليلًا فتركناها خلفنا دون أن نلتفت.

وفي العمق، ليس البكاء على الأطلال حنينًا فقط، بل محاكمة صامتة.

نراجع فيها أنفسنا:
هل كنّا عادلين حين غادرنا؟
هل كان الرحيل خلاصًا، أم هروبًا؟
هل كانت الأطلال تستحق أن تُهجر، أم نحن الذين خذلناها؟
لكن كل تلك الأسئلة تتبخّر حين تلامس اليد حجارة المكان.

فالأطلال، على الرغم من قسوتها، تملك عاطفة مختلفة؛ عاطفة الأشياء التي لا تستطيع الكلام فتكتفي بأن تعكس ما في القلب.

ولهذا يبكي الناس أمامها: لأن المكان لا يجادلهم، ولا يلومهم، ولا يفتح جراحًا جديدة… بل يكتفي بأن يفتح الجرح القديم فقط، ويترك للدمع حقّ الكلام.

والعجيب أن الأطلال، مهما علا غبارها، لا تفقد بريقها الأول.

فالحنين يملك قدرة خارقة: يعيد ترميم الحيطان المهدّمة، ويُرجع للأبواب أصواتها، وللجلسات دفئها، وللوجوه الغائبة ملامحها.

البكاء على الأطلال هو إعادة بناء المكان داخل الروح، للحظة واحدة… قبل أن يعود كل شيء إلى صمته.
وفي النهاية، يبقى البكاء على الأطلال فعلًا إنسانيًا خالصًا؛
فمن لا يبكي أطلاله، لا يعرف قيمة ما تبقّى لديه.

ومن لا ينحني لذكرى مضت، لن يقدر معنى الحاضر.

وما الأطلال إلا محطات نتعلم منها كيف يستقيم القلب بعد أن انكسر، وكيف يعيد ترتيب ذاته بعد أن فقد أشياء ظنّ أنها لن ترحل.

فالبكاء على الأطلال ليس بكاءً…
بل شكل آخر من أشكال النجاة.
التعليقات