×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

لماذا يزعجهم أنك نضجت؟

لماذا يزعجهم أنك نضجت؟
بقلم: ذكرى الشبيلي 

الإنسان الذي نكون عليه اليوم ليس خيانة لما كنا عليه بالأمس.
نستيقظ يومًا ونكتشف أننا لم نعد نحب ما كنا نحب، ولا نخاف مما كان يرعبنا، ولا نشتاق بالطريقة نفسها للأشخاص أنفسهم.
ولا يحدث هذا التحول بسبب حدث واحد كبير فحسب، بل على العكس تمامًا… يحدث بسبب تراكم الأشياء الصغيرة التي مرت بنا، واستقرت في الداخل دون أن ننتبه.
الذات أو (الهوية) لا تتبدل في عشية وضحاها؛ فالعمر يعيد تشكيل ملامح أرواحنا ببطء، دون أن نلحظ ذلك الخفوت الصغير الذي جعل منا أشخاصًا آخرين، أو بالأصح اضمحلال نسخة من ذواتنا لم نعد نُشبهها الآن.
الهوية تتقلب وتتجدد كتيار متحرك، هي "ديناميكية" باختصار، فنحن نتشكل من خلال الزمن ولا نعيشه فحسب. كل تجربة نمر بها تترك أثرًا غير مرئي:
خذلان صغير يعيد تعريف الثقة،
نجاة غير متوقعة تعيد تعريف القوة،
فقد بسيط يعيد تعريف التعلق،
ولحظة تأمل واحدة كفيلة بأن تعيد تعريف الذات كاملة.
ولهذا، الإنسان الذي نكون عليه اليوم ليس خيانة لما كنا عليه بالأمس، فنحن نتيجة طبيعية للحياة التي عبرتنا.
نظن أحيانًا أن الثبات فضيلة، وأن التغير نوع من التناقض.
لكن في الحقيقة التناقض الحقيقي هو أن نبقى كما نحن رغم كل ما تعلمناه، ورغم كل ما فهمناه، ورغم كل ما انكسر فينا ثم أُعيد ترميمه.
في الحقيقة، أكثر ما يربك الإنسان ليس أنه تغير، بل أن الآخرين ما زالوا يتعاملون معه بصورته القديمة! فيتوقعون منه الردود ذاتها، والتنازلات ذاتها، والنسخة ذاتها التي كانت متاحة دائمًا. وحين يخذلهم هذا التوقع، يقولون ببساطة: (أنت تغيرت).
وكأن التغير تهمة، لا رحلة!
النضج ليس إلا مسافة مؤلمة وممتعة في آن واحد بين شخصين: (نحن كما كنا، ونحن كما صرنا). مسافة صنعها الوقت، صقلتها التجارب، كشفتها الخيبات، وأنضجتها الأسئلة القديمة التي لم نملك لها إجابة حينها.
الفلسفة الحقيقية لا تبحث في (من نكون)، بل تكمن في (ما الذي أصبحنا عليه الآن)؛ لأننا لا نكبر بالعمر، نحن نكبر في الفهم، في حدودنا، في قدرتنا على الاختيار، في الأشياء التي لم نعد نقبل بها، وفي التي لم نعد نساوم عليها حتى.
أخيرًا.. نحن لا نخسر أنفسنا حين نتغير، بل ننجو بها. فالخيبات لا تأخذ منا شيئًا بقدر ما تمنحنا قدرة أوسع على الفهم، وعلى الصمود، وعلى أن نعود إلى ذواتنا أكثر صفاءً من ذي قبل.
التعليقات