ما أخفَّ يدَ الزمن… وما أثقلَ ما تسرق

بقلم : عامر آل عامر
لا توجد يدٌ أخفّ من يد الزمن وهو يسرق العمر.
لا نسمع له وقعًا، ولا نشعر بأصابعه وهي تنزلق من بين أيامنا، ولا نراه حين يقتطع من أعمارنا عامًا بعد عام. يأتي إلينا بلا موعد، يجلس معنا على مائدة الصباح، يرافقنا إلى أعمالنا، يقف معنا أمام المرآة، ثم يرحل في هدوء… وفي جيبه يومٌ آخر من أعمارنا.
الغريب في الزمن أنه لا يسرق منا الأشياء دفعةً واحدة؛ بل يأخذها بالتقسيط.
يأخذ من وجوهنا شيئًا لا نلاحظه إلا بعد سنوات، ومن أصوات من نحب نبرةً لن تعود، ومن البيوت ضحكاتٍ كانت تملأها، ومن الطرق وجوهًا اعتدنا أن نلتقيها ثم اختفت دون أن تمنحنا فرصة الوداع.
نحن لا نكبر حين تتغير ملامحنا فقط؛ نحن نكبر حين يصبح بعض ما كان بالأمس جزءًا من حياتنا مجرد ذكرى.
هناك عمرٌ لا تقيسه السنوات، وإنما تقيسه الأشياء التي فقدناها.
كم شخصًا كان قريبًا ثم أصبح بعيدًا؟
كم بابٍ كنا ندخله دون استئذان وأصبح اليوم مغلقًا في وجوهنا؟
كم حلمًا قلنا: "غدًا"، حتى جاء الغد متأخرًا جدًا؟
وكم مرة ظننا أن أمامنا متسعًا من الوقت، بينما كان الوقت نفسه يغادرنا؟
أقسى ما في الزمن أنه لا يخبرنا بما يأخذه.
لو قال لنا: سأسرق منك هذا الوجه، لاحتضناه طويلًا.
ولو قال: سأخذ منك هذه الضحكة، لحفظناها في أعماقنا.
ولو قال: هذه آخر مرة ستجلس فيها مع من تحب، لما اكتفينا بكلمة عابرة، ولأطلنا الحديث حتى ينتهي الكلام وتبقى الأرواح متشبثة ببعضها.
لكنه لا يقول شيئًا.
يمضي فقط.
ونحن الذين نكتشف متأخرين أن بعض اللحظات لم تكن عادية كما ظننا، وأن بعض اللقاءات كانت وداعًا متنكرًا في هيئة موعد عابر، وأن بعض الأيام التي مللنا منها كانت في الحقيقة أجمل أيام العمر.
نحن بارعون في تأجيل الحياة.
نؤجل الفرح حتى تتحسن الظروف، ونؤجل اللقاء حتى نجد وقتًا مناسبًا، ونؤجل الاعتذار حتى تهدأ النفوس، ونؤجل الأحلام حتى يصبح الطريق أكثر أمانًا.
ثم نلتفت ذات يوم، فنجد أن الزمن لم ينتظر اكتمال شروطنا.
الحياة لا تمنحنا نسخة تجريبية من أيامنا.
ما مضى لا يعود، وما قيل لا يمكن استرجاعه، وما لم نعشه لن يمنحنا الزمن فرصة ثانية لنعيشه بالطريقة نفسها.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: كم بقي لنا من العمر؟
بل: ماذا فعلنا بالعمر الذي بقي؟
فليس المهم أن نعيش طويلًا، بقدر ما هو مهم أن نترك في أيامنا شيئًا يستحق أن يُذكر.
أن نكون لطفاء حين كان بإمكاننا أن نكون قساة.
أن نعطي حين كان الأخذ أسهل.
أن نعتذر قبل أن يتحول الاعتذار إلى جنازة.
أن نقول لمن نحب إننا نحبهم، قبل أن يصبح الكلام موجّهًا إلى صورة.
أن نطرق الأبواب التي اشتقنا إليها، قبل أن تتحول المسافات إلى جدران.
فالزمن لا يقتل أعمارنا وحدها؛ أحيانًا يقتل فرصنا أيضًا.
وأشد أنواع الفقد ليس أن تفقد إنسانًا، بل أن تفقد فرصة كان يمكن أن تمنع فقده.
في نهاية المطاف، سنكتشف أن العمر لم يكن ذلك الرقم الذي كتبناه في أوراقنا، بل تلك اللحظات التي ارتجف فيها القلب، وتلك الوجوه التي تركت أثرًا، وتلك المواقف التي غيرتنا، وتلك الأيام التي لم نكن نعرف أنها لن تتكرر.
سيأتي يومٌ ننظر فيه إلى المرآة فلا نتعرف تمامًا إلى الشخص الذي ينظر إلينا.
سنسأل بصمت:
متى مر كل هذا؟
وسيكون الزمن قد فعل ما يجيده منذ الأزل؛ أخذ كل شيء بهدوء، وترك لنا الذاكرة.
لذلك لا تنتظر أن تصبح الحياة كاملة حتى تعيشها.
فالكمال موعد لا يأتي، والزمن لا يعرف الانتظار.
عش ما تستطيع من فرح، وقل ما تستطيع من حب، واغفر ما استطعت، واصنع من الأيام العادية شيئًا يستحق أن تتذكره.
فاليد التي تسرق العمر بخفة، لا يمكن الإمساك بها.
لكن يمكننا، قبل أن تفلت أيامنا الأخيرة من بين أصابعها، أن نملأها بما يجعلنا حين نلتفت إلى الخلف لا نقول:
"كم مضى من عمري؟"
بل نقول:
"كم كان جميلًا أنني عشت."
لا نسمع له وقعًا، ولا نشعر بأصابعه وهي تنزلق من بين أيامنا، ولا نراه حين يقتطع من أعمارنا عامًا بعد عام. يأتي إلينا بلا موعد، يجلس معنا على مائدة الصباح، يرافقنا إلى أعمالنا، يقف معنا أمام المرآة، ثم يرحل في هدوء… وفي جيبه يومٌ آخر من أعمارنا.
الغريب في الزمن أنه لا يسرق منا الأشياء دفعةً واحدة؛ بل يأخذها بالتقسيط.
يأخذ من وجوهنا شيئًا لا نلاحظه إلا بعد سنوات، ومن أصوات من نحب نبرةً لن تعود، ومن البيوت ضحكاتٍ كانت تملأها، ومن الطرق وجوهًا اعتدنا أن نلتقيها ثم اختفت دون أن تمنحنا فرصة الوداع.
نحن لا نكبر حين تتغير ملامحنا فقط؛ نحن نكبر حين يصبح بعض ما كان بالأمس جزءًا من حياتنا مجرد ذكرى.
هناك عمرٌ لا تقيسه السنوات، وإنما تقيسه الأشياء التي فقدناها.
كم شخصًا كان قريبًا ثم أصبح بعيدًا؟
كم بابٍ كنا ندخله دون استئذان وأصبح اليوم مغلقًا في وجوهنا؟
كم حلمًا قلنا: "غدًا"، حتى جاء الغد متأخرًا جدًا؟
وكم مرة ظننا أن أمامنا متسعًا من الوقت، بينما كان الوقت نفسه يغادرنا؟
أقسى ما في الزمن أنه لا يخبرنا بما يأخذه.
لو قال لنا: سأسرق منك هذا الوجه، لاحتضناه طويلًا.
ولو قال: سأخذ منك هذه الضحكة، لحفظناها في أعماقنا.
ولو قال: هذه آخر مرة ستجلس فيها مع من تحب، لما اكتفينا بكلمة عابرة، ولأطلنا الحديث حتى ينتهي الكلام وتبقى الأرواح متشبثة ببعضها.
لكنه لا يقول شيئًا.
يمضي فقط.
ونحن الذين نكتشف متأخرين أن بعض اللحظات لم تكن عادية كما ظننا، وأن بعض اللقاءات كانت وداعًا متنكرًا في هيئة موعد عابر، وأن بعض الأيام التي مللنا منها كانت في الحقيقة أجمل أيام العمر.
نحن بارعون في تأجيل الحياة.
نؤجل الفرح حتى تتحسن الظروف، ونؤجل اللقاء حتى نجد وقتًا مناسبًا، ونؤجل الاعتذار حتى تهدأ النفوس، ونؤجل الأحلام حتى يصبح الطريق أكثر أمانًا.
ثم نلتفت ذات يوم، فنجد أن الزمن لم ينتظر اكتمال شروطنا.
الحياة لا تمنحنا نسخة تجريبية من أيامنا.
ما مضى لا يعود، وما قيل لا يمكن استرجاعه، وما لم نعشه لن يمنحنا الزمن فرصة ثانية لنعيشه بالطريقة نفسها.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: كم بقي لنا من العمر؟
بل: ماذا فعلنا بالعمر الذي بقي؟
فليس المهم أن نعيش طويلًا، بقدر ما هو مهم أن نترك في أيامنا شيئًا يستحق أن يُذكر.
أن نكون لطفاء حين كان بإمكاننا أن نكون قساة.
أن نعطي حين كان الأخذ أسهل.
أن نعتذر قبل أن يتحول الاعتذار إلى جنازة.
أن نقول لمن نحب إننا نحبهم، قبل أن يصبح الكلام موجّهًا إلى صورة.
أن نطرق الأبواب التي اشتقنا إليها، قبل أن تتحول المسافات إلى جدران.
فالزمن لا يقتل أعمارنا وحدها؛ أحيانًا يقتل فرصنا أيضًا.
وأشد أنواع الفقد ليس أن تفقد إنسانًا، بل أن تفقد فرصة كان يمكن أن تمنع فقده.
في نهاية المطاف، سنكتشف أن العمر لم يكن ذلك الرقم الذي كتبناه في أوراقنا، بل تلك اللحظات التي ارتجف فيها القلب، وتلك الوجوه التي تركت أثرًا، وتلك المواقف التي غيرتنا، وتلك الأيام التي لم نكن نعرف أنها لن تتكرر.
سيأتي يومٌ ننظر فيه إلى المرآة فلا نتعرف تمامًا إلى الشخص الذي ينظر إلينا.
سنسأل بصمت:
متى مر كل هذا؟
وسيكون الزمن قد فعل ما يجيده منذ الأزل؛ أخذ كل شيء بهدوء، وترك لنا الذاكرة.
لذلك لا تنتظر أن تصبح الحياة كاملة حتى تعيشها.
فالكمال موعد لا يأتي، والزمن لا يعرف الانتظار.
عش ما تستطيع من فرح، وقل ما تستطيع من حب، واغفر ما استطعت، واصنع من الأيام العادية شيئًا يستحق أن تتذكره.
فاليد التي تسرق العمر بخفة، لا يمكن الإمساك بها.
لكن يمكننا، قبل أن تفلت أيامنا الأخيرة من بين أصابعها، أن نملأها بما يجعلنا حين نلتفت إلى الخلف لا نقول:
"كم مضى من عمري؟"
بل نقول:
"كم كان جميلًا أنني عشت."