×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

حين نُهمل الكتاب… نهمل جزءاً من ذاكرتنا

حين نُهمل الكتاب… نهمل جزءاً من ذاكرتنا
بقلم / حسين العسيري 
هناك أشياء لا ينبغي أن نتعامل معها بوصفها مجرد مقتنيات، لأنها تحمل في داخلها ما هو أكبر من قيمتها المادية… والكتاب واحدٌ منها.

فالكتاب ليس أوراقًا مجتمعة بين غلافين، ولا قطعةً تزيّن رفًا في المنزل؛ إنه عمرٌ من المعرفة، وتجارب أناسٍ مضوا، وأفكارٌ كُتبت لتصل إلى إنسانٍ قد يأتي بعدهم بسنوات طويلة.

ولهذا فإن العناية بالكتاب ليست ترفًا، بل ثقافة.

أن تمسك الكتاب بيدٍ نظيفة، وتحافظ على صفحاته، وتبتعد عن تمزيقه أو طيّ أوراقه، وتحفظه من الرطوبة والحرارة والإهمال؛ كل ذلك يعكس احترامك لما يحمله الكتاب من قيمة.

لكن العناية الحقيقية لا تتوقف عند المحافظة على الورق.

فالكتاب الذي نحافظ على غلافه ونتركه مغلقًا، لم نحافظ على رسالته.

الغاية من الكتاب أن يُقرأ، وأن يفتح أبوابًا جديدة في العقل، وأن تنتقل المعرفة التي بين صفحاته من شخص إلى آخر. لذلك فإن أجمل عناية يمكن أن نقدمها لكتاب هي أن نعيده إلى الحياة بالقراءة.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومات تصل إلينا بسرعة خاطفة، وتتنافس الشاشات على دقائق أعمارنا، تزداد حاجتنا إلى أن نُبقي للكتاب مكانته. فالمعرفة ليست بكثرة ما نمر عليه بأعيننا، وإنما بما يبقى في عقولنا ووعينا وسلوكنا.

وقد يكون الكتاب الذي تضعه اليوم على رفك، بعد أن تنتهي منه، ذا قيمة كبيرة لطفلٍ يبحث عن أول حكاية، أو طالبٍ يبحث عن إجابة، أو باحثٍ يبحث عن معلومة، أو قارئٍ وجد بين صفحاته فكرة غيّرت شيئًا في حياته.

لذلك لا تجعل علاقتك بالكتاب تنتهي عند آخر صفحة.

احفظه، لأنك لا تحفظ كتابًا فقط… بل تحفظ معرفةً قد يحتاجها إنسانٌ لم تلتقِ به بعد.

فالكتب لا تشيخ حين نحسن العناية بها، بل تتحول مع مرور الزمن إلى ذاكرةٍ تحفظ ما كان يمكن أن يضيع.

وربما كان أجمل ما يمكن أن نتركه بعدنا ليس عدد الكتب التي امتلكناها، وإنما الأثر الذي تركته الكتب فينا، وما استطعنا أن ننقله منها إلى الآخرين.

الكتاب ذاكرة… ومن لا يحسن حفظ ذاكرته، يفقد شيئًا من حكايته.
التعليقات