×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

كوافيرا العزاء

كوافيرا العزاء
 
يصطدم سلوك "مكياج العزاء" بصدامٍ مباشر مع النسيج الأخلاقي والجمالي للمجتمع، الذي يرى في هذه الممارسة خروجاً نشازاً عن أعراف المواساة.
فالمجتمع بطبعه يرفض مساس السطحية بجلال الفقد، ويعتبر محاولة تجميل الحزن ضرباً من التكلف الذي يتنافى مع فطرة الإنسانية في أشد لحظاتها انكساراً.

يقوم طقس العزاء في الوجدان الجمعي على السكينة، والاعتبار، والتخفف التام من زينة الدنيا.
وحين تدخل المساحيق والتصنّع على هذه المشاهد، يرى الناس في ذلك استهانةً بالموت وتجريداً للمواساة من عمقها الروحي؛ إذ لا يمكن لملامح منمقة ومثبتة بالطبقات الشمعية أن تعبر عن مشاركة وجدانية صادقة مع أهل الفقيد.

كما يرفض المجتمع تحويل هذا الواجب الاجتماعي الإنساني إلى منصة للمقارنات الشكيلة والمظاهر الخاوية، حيث تؤدي هذه الممارسات الدخيلة إلى فرض حرجٍ نفسي وضغطٍ اجتماعي على اللاتي يُفضلن الظهور بعفويتهن الطبيعية، مما يُفرغ مجالس العزاء من مظاهر البساطة والتكاتف، ويحوله إلى بيئة متصنعة تُعلي من شأن "المظهر" على حساب صدق المشاعر.
إن الوجه الشاحب وآثار الدموع هي العنوان الفطري الصادق للتعاطف والإنسانية في حضرة الفناء.

ويبقى المجتمع حارساً لقيمه في مواجهة هذه الصرعات المستحدثة؛ فالوجه العاري من الرتوش أمام هيبة الموت ليس مجرد خيار مظهر، بل هو موقفٌ أخلاقي يعبر عن الاحترام العميق لرهبة الفقد وأصالة المواساة.
التعليقات